رئيسة التحرير
رشا الشامي
همتك نعدل الكفة
0   مشاهدة  

مين معاه الشاكوش؟ ج6

الشاكوش

Author

  • شاعر عامية وقاص مصري مهتم بالشأن النوبي ونقد الخطاب الديني

Author

  • شاعر عامية وقاص مصري مهتم بالشأن النوبي ونقد الخطاب الديني



الحلقة اللي فاتت وقفنا عند مفارقة “سفينة ثيسوس”. إزاي سفينة خشب عاشت قرون طويلة؛ وخلالها غيرت كل ألواحها واحد ورا التاني، فهل كده تبقى السفينة نفسها؟. عشان بعد ما كان سؤالنا: إزاي السردية استمرت؟ المفارقة تلفت نظرنا لسؤال حساس أكتر؛ مين بيغير الألواح؟ مين صاحب الحق ده؟ أو بلغة النجارين.. مين معاه الشاكوش.

النجارين الأوائل

في اللحظات التأسيسية، التغيير ماكانش أزمة نظرية، كان وظيفة تشغيلية ضرورية للنجاة. والواقع كان أسرع من أي قالب جاهز.

عمر بن الخطاب، عَطّْل سهم “المؤلفة قلوبهم”، استورد نظام الدواوين الفارسي، أسس ديوان الجند، ظبط نظام الخراج، ونقل فكرة التقويم الموجودة عند الفرس والرومان والأحباش والمصريين.

وفي العصر الأموي، عبد الملك بن مروان عرب الدواوين، وعمر بن عبد العزيز بدأ جمع الأحاديث وتنقيحها وتصنيفها بشكل منهجي، بداعي حماية السُنة من التشوه، عشان يظهر للسردية العربية كتب جديدة هدفها حماية السُنة وتنظيمها جوه السردية بش كل منهجي، كتب هتتوصف بعد قرون بإنها “ثلاث أرباع الدين”.

النماذج دي ماكنتش خروج عن الأصل، كانت صياغة لنظام تشغيل سفينة لسه جديدة وعايمة في بحر موجه عالي، والنجارين الأوائل كانوا بيغيروا الألواح وهُمّه شايفين إن ده الحل الوحيد عشان السفينة ماتغرقش.

YouTube player

مصيدة الاستقرار

كل قرار ناجح تدريجيًا بيتحول إلى سابقة/حُجة، ولما يقدم أكتر يبقى مَرجِع، ولما يعَتّْق وتتبني عليه إجراءات أكتر يتحول لجزء مُقدس من البنية. يعني طبقات بتتراكم، والسفينة بتتقل.

النهارده مثلًا ممكن إنسان يتسجن عشان كتب مقال نقدي في صحيح البخاري. في حين جيش عبد الملك بن مروان اجتاح مكة وصلب عبد الله بن الزبير بالمقلوب، ورغم كده قعد على عرش الإمبراطورية العربية الإسلامية وحمل لقب “خليفة رسول الله”، ويقال عنه “له ما له وعليه ما عليه”.

أفعال عبد الملك بن مروان أتقبلت جوه السردية كجزء من التاريخ؛ لأن لحظته التاريخية فرضت منطقه بصفته الخيار الوحيد لحماية المركب من الغرق، زيها زي تنقيط المصحف بغرض تثبيت النص المؤسس وحمايته من أي قراية غلط ممكن يقع فيها المسلمين غير العرب.

بنفس الآلية هنلاقي “الدستور الأمريكي” بدأ كوثيقة قصيرة ومرنة، صاغها الآباء المؤسسين ببراجماتية، بس النهارده بقى متكتف بأطنان من السوابق القضائية، ومجرد التفكير في تعديل بند واحد فيه يُعتَبَر مغامرة سياسية شبه مستحيلة.

باختصار، الحلول اللي أنقذت السفينة أمبارح بقت النهارده أسمنت بيتقلها. وهي دي مصيدة الاستقرار.

YouTube player

شرعية فرانشايز

الخليفة الأول، أبو بكر، إتعامل مع أزمة “مانعي الزكاة” باعتبارها سؤال يتعلق بشروط بقاء الجماعة، واختار الحرب في سبيل ترسيخ مركزية الدولة، بس بعد سنين طويلة الخليفة العباسي في بغداد جَت عليه لحظة بقى مجرد رمز، و”دولة الخلافة” بقت فاتحة فرانشايز سياسي؛ ممالك مستقلة عمليًا وتابعة أسميًا (بويهيين وسلاچقة وأيوبيين ومماليك.. وغيرهم)؛ بشرط الدعا للخليفة في خطبة الجمعة، وصك العملة باسمه، ورفع الاسم السياسي للمركز.

ظاهريًا ده تناقض سياسي واضح، بس في العمق الاختيارين كان ليهم نفس الهدف؛ الحفاظ على بقاء السردية.

المثير إن الذاكرة الجماعية احتفظت بالطريقتين جوه سردية النجاح نفسها. “أبو بكر” بقى نموذج للحسم، والعباسيين نموذج للمجد والاستقرار. أما الظروف التاريخية اللي جعلت كل قرار مناسب للحظته، راحت في الرجلين. والناس بتفتكر الحلول بوصفها فضائل، وبتنسى الأسئلة اللي جعلت الحلول دي ضرورة؛ ومع مرور الوقت القداسة بتتنقل من الغاية للأداة.

وظاهرة الفرانشايز التشريعي مش حِكر ع السردية العربية، الطباعة مثلًا كانت نقطة تحول كبيرة في تاريخ أوروبا؛ لإنها كسرت احتكار الكنيسة للنص المقدس وبالتالي تفسيره، فساهمت بشكل مباشر في ظهور البروتستانتية، اللي تدريجيًا تبنت منهج “الفرانشايز الديني”؛ وبقى كل فرد أو جماعة عندهم القدرة على قراية النص وتفسيره بدون وسيط مركزي.

YouTube player

النسب كرأس مال رمزي

فيه نوع تاني من الشرعية، أعمق من السلطة المباشرة؛ وهو النَسَب.

النَسَب في السردية العربية اشتغل بوصفه راس مال رمزي بيدي صاحبه صِلة خاصة بلحظة التأسيس وأبرز أفراد الجيل المؤسس، وبناء ع الصِلة صاحبه بيمتلك سلطة الكلام باسم الأصل وإعادة تفسيره، أو بلغة النجارين.. بيمسك الشاكوش.

أقرأ أيضًا.. ترجمة حزب الله من الشيعي للعربي

العباسيين، وبحكم انتسابهم إلى العباس -عم النبي-، شرعنوا ثورتهم ع الأمويين، ونقلوا عاصمة الدولة لبغداد، وأعادوا تشكيل بنية الإمبراطورية نفسها، عشان تستوعب جواها شعوب وثقافات جديدة غير العرب. كمان شهد العصر العباسي دعمًا رسميًا أوسع لمشروعات جمع الأخبار والسير والمغازي؛ كفرع جديد تم تقنينه ودعمه واعتماده بقرار من الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور.

وقوة النَسَب لسه مستمرة لغاية دلوقتي. وأبرز مثال حالي ليها هو “إيران”؛ دولة فارسية الثقافة واللغة والهوية ورغم كده سلطتها معتمدة ع الانتساب إلى آل بيت النبي -العربي- كمصدر للشرعية الدينية والسياسية، عشان تقدملنا نموذج يستحق الدراسة المُعمَقة بشكل مستقل.

إقرأ أيضا
الشاكوش

عصر السيولة التاني

إذا كانت وفاة النبي حصلت بعده فترة سيولة، والتوسع الكبير والسريع للدولة نتجت عنه فترة سيولة، فالنهارده بنعيش للحظة سيولة جديدة. الطباعة زمان وَسَعِت دايرة مستهلكين المعرفة والإنترنت وَسَعها أكتر، ثم جَت السوشيال ميديا عشان توسع دايرة مُنتجي المعرفة. وأخيرًا وصلنا للذكاء الاصطناعي اللي أضاف طبقة جديدة لحالة السيولة؛ لإنه بقى يشارك في إعادة تركيب المعرفة نفسها ويسرع عملية إنتاجها وتداولها.

والنتيجة إن عدد المشاركين في إنتاج المعنى وصل لمستوى غير مسبوق تاريخيًا. أه المؤسسات التقليدية لسه موجودة، بس بقت جزء من ورشة أكبر بكتير من قدرتها القديمة ع التنظيم أو الاحتكار. لإن الفاعلين القادرين على التفسير وإعادة الصياغة والمشاركة في تعريف الأصل بقوا بالملايين.

فالسردية النهارده بقت قصاد إشكالية جديدة من نوعها؛ مين من حقه يمسك الشاكوش ويغير ألواح المركب؟ الخليفة والفقيه وحتى النجارين الأوائل كل واحد فيهم أكتسب سلطته من اعتراف ركاب السفينة بشرعية في الإمساك بالشاكوش.

طول قرون، كان الركاب متفقين -بدرجات مختلفة- على مين يحق له يغير الألواح ومين لأ. مرة باسم النسب، ومرة باسم العِلم، ومرة باسم المؤسسة، ومرة باسم الدولة. لكن الاتفاق نفسه كان موجود. أما النهارده، فالأزمة بقت أعمق من مجرد تعدد النجارين. إالسردية واقفة قدام عشرات المؤسسات ومئات المنصات وآلاف الأشخاص اللي كل واحد منهم شايل شاكوش وبيعلن إنه الوريث الشرعي للسفينة.

الخاتمة

السرديات المُعَمِّرة فرضت قوتها بقدرتها على تنظيم حق التعديل وتوزيع الشرعية وإدارة الخلافات حوالين تعريف الأصل. وخلال تاريخها استخدمت أدوات متعددة (الاجتهاد، المركزية، النَسَب، المؤسسات، الفرانشايز بأشكاله المختلفة).

والنهارده وصلنا للحظة جديدة؛ عدد المشاركين في عملية إنتاج المعنى بقى أكبر من أي وقت فات، وأدوات التأويل والتوزيع بقت في متناول كل الناس تقريبًا، بالتالي الأزمة مابقتش مفاضلة بين المركزية والفرانشايز، اللي أتفقنا على إن كل واحد فيهم كان مُفيد في لحظتُه، الأزمة الفعلية هي القدرة على استيعاب ملايين النجارين.

أزاي هتتشكل هوية مشتركة جوه فضاء بتتوزع فيه سلطة تعريف الأصل على عدد مهول من الفاعلين؟ وهل السردية هتقدر تحافظ على وحدتها في عصر اتعددِت فيه مراكز تعريفها؟

 

Author

  • الشاكوش

    شاعر عامية وقاص مصري مهتم بالشأن النوبي ونقد الخطاب الديني






ما هو انطباعك؟
أحببته
0
أحزنني
0
أعجبني
0
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0


Slide
‫إظهار التعليقات (0)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.







حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان