35 مشاهدة
الأعراض الجانبية لنجاة السردية (ج5)

Author
Author
النجاة، اللي اتحرم منها المغول والفايكينج، هي عملية معقدة لها أعراض جانبية مافيش منها مفر. السردية من دول عشان تعيش قرون، مابتكتفيش بحفظ نصها التأسيسي؛ بتركز على نقطة شديدة الأهمية، وهي هندسة وعي الإنسان -اللي متبنيها- بالزمن.
والخلود، خناقة مع الزمن، فالسردية عشان تعيش كتير بتحاول تعوره أو تعلم عليه؛ علامة فارقة تقسم خط الزمن إلى “ما قبلها” و”ما بعدها”. وده قانون بشري؛ استخدمته المسيحية بميلاد المسيح، والثورة الفرنسية بإعلان “عام الثورة الأول”، وأوروبا الحديثة بـ”عصر التنوير”، وفي السردية العربية كانت “البعثة المحمدية” هي العلامة دي؛ قبلها “جاهلية” وبعدها “امتداد حضاري”.

فاتورة النجاة
كل سردية مُعمرة بتقابل معضلة أكيدة وهي الانقطاعات وواحدة تانية غالبًا وهي الدم؛ عشان كده بتنتج -عن طريق حماتها- خط استمرارية سلس يوحي بالحتمية (نبوة، خلافة، دول متعاقبة)؛ بالتالي كل السرديات الفرعية بمختلف أنواعها وطبقاتها تظهر في قالب واحد عام عليه اسم الأصل.
وعمليًا الخط ده بينكتب بأثر رجعي؛ فالسلطة اللاحقة -الأموية- هي اللي مأسسة عملية جمع الأحاديث في عهد عمر بن عبد العزيز، وهي برضه اللي تبنت “منهج الجبرية” في مواجهة “منهج القدرية”[1]، و”العباسية” رتبت السير والمغازي، لما طلب الخليفة أبو جعفر المنصور من محمد بن إسحاق تدوين مروياته في كتاب جامع؛ عشان يبقى أول كتاب للمغازي.

السلطة هنا ماخلقتش التراث من العدم، السلطة منعت سيولته بره حدودها وأعادت توظيفه واستغلاله لصالح استقرارها، المنظومة المعرفية مش كلها كانت بنت البلاط، بس النجاة السياسية والمؤسسية لعبت دور الفلتر في انتقاء ما يدعم بقاءها؛ إن كان باختيار إنتاج حديث أو إحياء قديم.
وطبعا حاولوا قدر المستطاع إغفال طريقة الانتقال. حاجة كده شبه مفهوم “تفويض السما” الصيني، اللي دمج انقلابات السلالات الحاكمة وقدمها بوصفها حلقات تطور طبيعية للحضارة الصينية.
بس كل ده له فاتورة.. ولازم تتدفع.
-
طبقات التفسير (الشروح)
لإن الواقع متحرك والأسئلة بتتغير في حين النص الأصلي ثابت؛ فبتظهر حالة شبه “الترسيب الجيولوجي“. السردية بتحافظ على قدسية القديم وتراكم فوقه طبقات من سرديات أحدث (مرويات، فقه، شروح وحواشي).
في العصر المملوكي، استقر المتن في مركز الصفحة وحواليه شروح وقراءات أحدث. فالمتلقي مش هيوصل للنص الخام إلا عبر سلسلة من الطبقات؛ فالنتيجة إنه غالبا بيتعامل مع الطبقة الأخيرة.

فالنهارده زي ما حصل مع “التناخ” اليهودي، النص التأسيسي، وتراجع قصاد “التلمود” بشروحه وجدالاته الحاخامية؛ بنشوف في السردية العربية تقديم نصوص الأحاديث “ظنية الثبوت” عن الآيات “قطعية الثبوت”.

-
الوسيط يتحول إلى مؤسسة
الطبقات السردية بتنتجها وتحرسها نخبة بشرية (الفقهاء والقضاة)، فعدم وجود “كهنوت رسمي” في الإسلام نتج عنه “كهنوت خفي”.
غياب مؤسسة كنسية صارمة ساهم في إنتاج صراعات دموية بين التيارات الفكرية لاحتكار سيف الدولة، وتحويل تأويلاتهم المذهبية لقانون مُلزم بالقوة وطبعًا قمع أي مخالف، بالظبط زي البيروقراطية الكونفوشية؛ لما حوّلت “الفلسفة الأخلاقية” إلى جهاز إداري وامتحانات قبل التعيين في أجهزة الدولة الصينية.
إقرأ أيضًا.. هل الإسلام مافهوش كهنوت؟.. ولا عندُه جُوَه؟
أيًا كان اسم المعسكر المنتصر، فارتباط الوسيط بالسلطة ييحول الخلاف الفكري من “مساحة الرأي” إلى “خندق هوية وجودية”.
المذاهب في بدايتها كانت مرنة ومستوعبها كونها “وجهة نظر”، رأيي صواب يحتمل الخطأ، بس المأسسة حولتها لعصبيات متقاتلة. فتنة “الحنابلة والأشاعرة” ضمن تجلياتها عاشت العاصمة حرب شوارع؛ كدليل عملي على إن المذهب بلع السردية الأم، زي ما حصل بين الكاثوليك والبروتستانت في أوروبا؛ خلال “حرب التلاتين عام”.

-
الشرعية.. العملة النادرة
بتحول المذهب لخندق، الشرعية بتبقى عملة نادرة في سوق السلطة، وهنا “القُرب من الأصل” بيبقى مصدر وحيد لامتلاك شرعية السلطة. وشِعار “الاحتجاج بفهم السلف” تجلي صريح للحالة دي؛ لإن السلف تجاوزوا كونهم شخصيات عاشت في سياق تاريخي معين إلى “مخزن شرعية مطلقة”.
كل تيار مُجبر على إثبات تفوق سلسلته الإسنادية كمحاولة لاحتكار الكلام باسم “الأصل”، تمامًا زي الصراع الستاليني التروتكسي لاحتكار التمثيل الأرثوذكسي للماركسية.
أقرأ أيضًا.. السردية تواجه الموت وأزمة المعنى (ج4)
-
دمج الصراع جوه خط واحد
السردية المُعمِرة بتحتاج تعيد تنظيم صراعاتها الداخلية وتقديمها كخط متصل “حتمي”؛ وبكده تقدر تعترف بتاريخها الدموي بوصفه حالة أشبه بآلام مخاض حتمية قبل لحظة الميلاد.
السردية السُنية، استُوعبت الفتنة الكبرى عبر صياغة مفهوم لاهوتي، يتفادى الانحياز،: “كلهم مجتهدون”. حرب أهلية بقت خلاف يؤجر عليه الطرفين، وبكده تم اعتماد الكسبان والخسران.. القاتل والمقتول بوصفهم “الجيل الطاهر”. بشكل يشبه إعادة إنتاج حدث “الحرب الأهلية الأمريكية” جوه السردية الأمريكية الحديثة؛ وتقديمها كاختبار عظيم وتطهير للاتحاد.

الإنسان جوه السردية
بفعل الزمن الطويل المواطن -ابن السردية- بيتعامل مع السردية نفسها بيختلف؛ وبتتحول من كونها فكرة مجردة إلى “بيئة حيوية كاملة” بيتحرك جواها ويشوف العالم من خلالها.
تراكم الطبقات والحواشي كون “منظومة فقهية” بتسوق الحياة اليومية للفرد (من أول أذكار الصباح وصولا لدعاء قبل النوم، ومن الأدان في ودنه لحظة الولادة لغاية تلقينه الشهادة وهو بيودع الحياة)، فبقي الفرد بيتحرك جوه شبكة أمان وقيود تضمن له “النجاة الإجرائية”؛ فتدريجيًا يفقد قدرته على تعريف نفسه أو الإحساس بوجوده أساسًا بره المواطنة والمنظومة الاقتصادية سابقة التجهيز.
نجاة السردية مش مجرد كتاب مطبوع ومتشكرين؛ وإلا ماكناش سمعنا مصطلح “كتب نادرة”، نجاة كيان زي ده معناه: “استمرار فاعليتها وقدرتها على صياغة وعي وسلوك المجتمع عبر الزمن”.
وذروة النجاة للسردية العربية يتجلى في كونها “المحرك الإدراكي” لبشر عايشين في القرن الواحد وعشرين، بكل عنفوانه الحداثي والتقني، بس لسه بيظبطوا بوصلتهم النفسية والأخلاقية والاقتصادية والسياسية.. إلخ؛ حسب معايير تصوراتهم عن الجيل المؤسس. السردية نجِت لأنها استمرت كنظام تشغيل للحاضر، زيها زي البوذية؛ رغم انقسامها لمدارس وتغير لغاتها.
عشان كده يفضل السؤال المُحير هو سؤال البيضة ولا الفرخة؟
هل السردية عشان تنجو بتعيد تشكيل الإنسان؟ ولا الإنسان هو الللي بيعيد تشكيلها عشان يستقر؟
وحدة التاريخ
قمة نجاة السردية هي صياغتها لـ”وحدة التاريخ” كـ(أمة أو حضارة)، وتقدر تحتفل بانتصارها وأكتمال سيطرتها ع المجتمع لحظة ما تبيع للناس، مستهلكيها أو غيرهم، إن “وحدة التاريخ” بتاعتها دي حقيقة بديهية ووحدة بناء أولية، في حين أنها واقعيًا؛ عبارة عن تركيبة معرفية إستَوِت على نار هادية من التصفيات والإقصاء المتتالي والعشوائي على مدار سنين طويلة.
في مثالنا الرئيسي، السردية العربية، هنلاقي مفهوم “أهل السنة والجماعة” -اللي أتباعه النهارده بمئات الملايين- ماكنش له أي وجود لغاية سنة 40هـ؛ وتبلور خلال قرنين من الدمج الفقهي وضبط العقائد وصهر اختلافات وتضاربات أحيانا.
ودي لا هي مؤامرة ولا “الحقيقة الخفية”، دي أعراض جانبية ثابتة عبر العصور؛ هندسة ارتجالية تمامًا كل لحظة فيها كانت بتحاول تهندس ماضيها مع ما يتناسب مع واقعها واستقراره، وهي لعبة ذهنية معروفة ومنتشرة بين بني الإنسان؛ تلاقيها بوضوح في تركيب وهم “الحضارة الغربية المتصلة”، من أثينا إلى التنوير، عملية صهر للتاريخ الأوروبي وتقديمه كسبيكة واحدة متجانسة، وكأن كل الحروب القومية والدينية والعائلية ماكنتش أكتر من ندوب على جسم واحد متناسق لشخصية اعتبارية ثابتة عبر التاريخ اسمها “الحضارة الغربية”.

أزمة الأسئلة المتأخرة
خلاص كده السردية نجت واحتفلت وكله تمام؟
بس طول فترة نجاة السردية بيخليها تقابل في رحلتها متغيرات وتساؤلات ماكنش ليها وجود أيام الجيل المؤسس، وهو ده بالتحديد الاختبار اللي بيظهر فيه الفرق بين السرديات المُعمِرة وبعضها، مين هيعتمد ع “المرونة والتكيف” ومين هيفعل وضع “التصلب الدفاعي”.
“مدرسة أبو حامد الغزالي” فعلت الأسلوب التاني؛ عبر “تهافت الفلاسفة” و”إحياء علوم الدين” وغيرهم، توجه تبلور في قاعدة “تقديم النقل على العقل“، فلما واجهت صدمة الحداثة (دولة، بنوك، تكنولوجيا) كان أبناءها شديدي الدفاعية ومصرين على قياس الحاضر بمازورة الجيل المؤسس.
ع الناحية التانية الليبرالية تبنت مرونة تطورية عالية؛ فاتمددت وهضمت متناقضات الثورة الصناعية وتحدي الاشتراكية شخصيًا، عشان تنتج نموذج “دولة الرفاه” من غير ما تكسر بنيتها الأصلية المنطلقة من “دعُه يعمل دعُه يمر“. في حين الأرثوذوكسية الشيوعية بتشوف الشيوعي لو اتفاوض وحقق مكتسبات زي دي يبقى إصلاحي؛ ودي بتستخدم بمعنى “خاين/كافر”.
السفينة
عدينا في الحلقة دي على خيوط كتير تبدو متفرقة أو متداخلة؛ بس كلها بتتجمع عند مفارقة “سفينة ثيسيوس“. واللي بتقول: لو غيرنا ألواح سفينة خشبية لوح ورا التاني -عبر الزمن- لحد كل خشبها الأصلي ما أتغير ولا عادش فيه منه خشبة واحدة؛ فهل تبقى كده هي نفس السفينة الأولانية؟
تطبيق المفارقة ع السرديات يوضحلنا إن السردية الناجية غيّرت جغرافيتها، لغاتها، ديموغرافيتها، وبدّلِت ألواحها الإجرائية لمواجهة البنوك والتكنولوجيا وكل الأسئلة الأحدث، فإيه اللي فضل من الأصل التأسيسي؟ وهل السردية تقدر تتخلص من الألواح القديمة ولا هتحتفظ بيها جوه السفينة؟ ولو حصل؛ ده هيضمن الحفاظ ع الأصل؟ ولا هيعرض المركب لمشاكل في زيادة الحمولة؟
أسئلة كتيرة ممكن يتلخصوا في سؤالين: هل نجاة السفينة في احتفاظها بألواحها الأصلية؟ ولا في قدرتها على إقناع الركاب -عبر الزمن- إنهم ورغم كل الألواح الجديدة لسه راكبين “السفينة الأولى”.. أيًا كان اسمها؟
بس في كل الأحوال يفضل السؤال الأهم والأخطر عن حال الركاب، هل هيدركوا تغيير ألواح السفينة والبحر نفسه، ولا هيفضلوا يجدفوا في زمن الطاقة النظيفة والمتجددة؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1]) حدث مشهورة في التاريخ الإسلامي، راجع دراسة بعنوان تطور القدرية في العصر الأموي، للباحث. محمد صياح العيسى، رئيس قسم التاريخ في جامعة ال البيت – الأردن.
Author
ما هو انطباعك؟








