رئيسة التحرير
رشا الشامي
همتك نعدل الكفة
0   مشاهدة  

فن صناعة الطبيعي

الطبيعي

Author

  • شاعر عامية وقاص مصري مهتم بالشأن النوبي ونقد الخطاب الديني

Author

  • شاعر عامية وقاص مصري مهتم بالشأن النوبي ونقد الخطاب الديني



ليه السما لونها أزرق؟ ليه بناكل البقر والحمير لأ؟ ليه أنسب لبس لمقابلة شغل هو البدلة والكرافتة؟ وليه بنشتري الطماطم بالكيلو والبيض بالواحدة والزيت باللتر.. مع إنهم شُركا في نفس طبق الشكشوكة؟ أسئلة كتيرة وشكلها من النوع الساذج، لإن الرد التلقائي، والفوري، واللي هيطلع من أي حد بدون تفكير هو: “هو ده الطبيعي”.

هنا اسمحلي أوقفك لحظة وأسألك سؤالين على بؤ واحد:

  • مين قال إن ده الطبيعي؟
  • يعني إيه “طبيعي” أصلًا؟!

بين النظر ووجهة النظر

بسؤال المرحوم ابن منظور عن معنى “طبيعي”؛ يرد في تحفته لسان العرب: “طَبْعُ وطَبيعَةُ وطِباعُ: السَّجِيَّةُ جُبِلَ عليها الإِنسانُ“.

والمعنى ده ماينطبقش مثلا على أول سؤال في المقدمة: ليه السما لونها أزرق؛ لإن العِلم بيقولنا إن رؤيتنا البصرية للعالم مش حقيقة مُجردة، دي الصورة ناتجة سمحت بيها جهازنا البصري؛ عينك بتستقبل جزء محدد من الموجات الضوئية، ومخك يترجمه للصورة اللي أنت بتشوفها.

وفي اللحظة نفسها، فيه كائنات تانية عايشة معانا على نفس الكوكب، شايفة العالم نفسه بصورة مختلفة تمامًا. النحلة بتشوف الوردة بتفاصيل وألوان إحنا أصلًا مش قادرين نشوفها، لأنها بتشوف الأشعة فوق البنفسجية. والتعبان بيشوف العالم كبصمة حرارية، كأنه لابس نظارة ليلية من بتاعة أفلام الكوماندوز. وحتى بين البشر، فيه ناس عندهم تركيبة بصرية مختلفة، بنسميها اصطلاحًا “عمى الألوان”، وده بيخليهم يشوفوا العالم بصورة مختلفة عن الصورة اللي إحنا متعودين عليها.

باختصار، أنت مش شايف العالم زي ما هو، أنت شايف النسخة اللي سمحتلك بيها عدسة عينك. وهنا ينط سؤال لولبي؛ لو شوفنا المادي للعالم مربوط بعدسة بيولوجية اللي بنشوف من خلالها، فهل فيه عدسة تانية بتتحكم في “وجهة نظرنا” فيه؟ عدسة بتصنع لنا صورة “الطبيعي” في حياتنا؟

YouTube player

فخ الخرايط

لو فتحت أطلس أو “جوجل مابس”، هتلاقي أوروبا مستربعة في النُص وفوق، وأفريقيا تحتها، وحجم أوروبا قريب من حجم أفريقيا. بس في الواقع، الأرض كورة بتلف في الفضا، يعني لا فيه مكان اسمه “فوق” ولا مكان اسمه “تحت”. ومن قيمة ألف سنة خريطة العالم اللي رسمها الإدريسي، كانت بتحط الجنوب فوق والشمال تحت، وكان ده أياميها هو “الطبيعي”.

الطبيعي
“نزهة المشتاق في اختراق الآفاق” المعروفة باسم “خريطة الإدريسي للعالم”

أما بالنسبة لأحجام القارات، فالخريطة اللي أغلبنا حافظينها من ابتدائي مرسومة بناء عن “مسقط ميركاتور“، اللي صممه جيراردوس مركاتور في القرن الستاشر لخدمة ملاحة السفن الأوروبية، والمسقط ده بيمط الأحجام كل ما قربنا من القطبين، فتظهر فيها أوروبا أضخم كتير من حجمها الحقيقي.

فتلاقي الخريطة المتبرمجة في دماغك بتحط أوروبا فوق أفريقيا ومساحتها قدها تقريبًا، رغم إن الحقيقة الجغرافية بتقول إن أفريقيا أكبر من أوروبا حوالي 3 مرات.. ومافيش فوق ولا تحت. باختصار أنت مش باصص للأرض أنت باصص لصورتها، والصورة دي أترسمت بعدسة صنعتها ثقافة معينة في لحظة تاريخية معينة.

YouTube player

التاريخ.. بين فتح المفتوح واكتشاف المعروف

سيبك من الجغرافية وتعالى نفتكر التاريخي.

لما تقرا عن تاريخ قارة أمريكا، هتلاقي الكتب بتقولك: “اكتشف كريستوفر كولومبوس أمريكا سنة 1492”.

براحة كده.. يعني إيه “اكتشاف”؟ ومين اكتشف مين؟

هل الأمريكتين دول كانوا حتة مقطوعة مثلا وهو أول بشري يكتشف مكانهم؟

الإجابة: لأ.

دول قارتين كبار جدا كان عايش فيهم ملايين البشر، وعندهم حضارات، وبيوت، وتاريخ، وزراعة. فأكيد ماكنوش كل القرون دي قاعدين بيعيطوا زي العيل التايه لحد ما كابتن  كولومبوس يكتشفهم.

كولومبوس اكتشف أرض جديدة عليه كأوروبي، بس الأرض دي نفسها بالنسبة لأهلها “سكانها الأصليين” ماكانتِش جديدة ولا مجهولة. بس مع مرور الوقت، الرواية الأوروبية هي اللي انتشرت، فانتشر معها قاموسها. وتدريجيًا تحولت كلمة “اكتشاف” من وصف لوجهة نظر، إلى وصف يبدو وكأنه “الحقيقة” نفسها.

نفس الحدوتة هتلاقيها لما تقرا عن دخول المسلمين للشام ومصر وشمال أفريقيا والهند، بنسميه “فتح”. مع إن الدول دي ماكنتش مقفولة ومفتاحها ضايع، دي أرض فيها شعوب عايشة وعندها حضاراتها وتاريخها الممتد وعلاقات مع محيطها والعالم. بس كلمة “فتح” خرجت من عدسة عربية شايفة الأحداث دي من عند الله على العرب المسلمين.

في الحالتين، المصطلح ماوصفش الحدث بشكل مجرد، وصفه من وجهة نظر شايفاه من ورا عدسة معينة.

YouTube player

الأرض ثابتة والمقاسات بتتغير

تعالى نتخيل سوا إن جدك الكبير اشترى حتة الأرض اللقطة برخص التراب وكانت كذا “خيت – Khet“، ودي وحدة لقياس مصرية قديمة. بعدها بقرون حفيده، اللي هو برضه جدك، ولما جَه يدفع الخراج عن نفس حتة الأرض دي كان بيتحاسب بـ”الذراع الهاشمي“؛ ودي وحدة قياس العربية السايدة وقتها.

وبعد كام قرن تانيين ورث أبوك حتة الأرض دي نفسها، وبقى من الأعيان عشان عنده كذا فدان.

دلوقتي بقى حضرتك شرفت الكوكب، وحتة الأرض دخلت كاردون مباني، فهتقيسها بوحدة قياس فرنسية؛ اتصنعت في باريس بعد الثورة الفرنسية وسموها: “المتر“.

حنة الأرض هي هي ماتغيرتش، أتغير بس العدسة اللي بنشوف بيها الأبعاد. بس كل جيل كان مقتنع إن وحدة القياس اللي بيستخدمها هي الوحدة “الطبيعية”.

الزمن

بص في ساعتك وقولي الساعة كام دلوقتي؟

طب تقدر تقولي توقيتك ده مظبوط بناءً عن إيه؟

أقولك أنا، بناءً عن خط وهمي بيعدي في قرية إنجليزية اسمها “جرينتش“؛ مافهاش أي ميزة فلكية أو فيزيائية أو جيولوجية تخليها مؤثرة زمنيا. كل ما هنالك إن في القرن التسعتاشر بريطانيا كانت “الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس”، فمع الثورة الصناعية؛ كُبرَات الكوكب قعدوا سوا في مؤتمر واشنطن، سنة 1884، عشان يحددوا خط طول محدد يبقى “رقم صفر” ويتقاس منه فروق التوقيت في باقي العالم.

في الاجتماع ده بريطانيا فرضت “خط جيرنيتش” عشان يكون هو صاحب الامتياز ده، فبقيت أنت النهارده بتظبط وعيك بالوقت على أساس قرار تشغيلي إتأخد من قيمة 150 سنة بس.

يعني حتى الزمن هو كمان بيعدي من خلال عدسة.

YouTube player

الجمال والمشاعر

تعال نلعب لعبة المقارنة بسيطة؛ وأنت في البيت دخل فجأة من الشباك “صرصار”، فورًا هتقرف ويمكن تصرخ، وغالبا هتسلِت الشبشب عشان تموته.

طب لو اللي دخل من الشباك كان فراشة؟

إقرأ أيضا
تأسيس

مالك؟ سكت ليه؟ فين الصريخ والقرف؟ طب فين الشبشب؟.. مش الإتنين حشرات برضك؟

ممكن تقول: عشان الفراشة ملونة وبتطير وسط الزرع، ودوكها لونه واحد وغامق وبيزحف تحت الأرض.

طب خلينا نلعب لعبة تانية.

لو دخلت عند “قدورة” وبالصدفة كنت الزبون رقم كذا وليك جايزة، فنزِلك طبق “جمبري” جامبو مشوي على حساب المحل، غالبا هتصقف بودانك من فرط السعادة وهتنزل عليه هتتك بتتك. رغم إن الجمبري راخر عايش في القاع على الفضلات العضوية، يعني دايس في أي حاجة.

فإشمعنى ده جميل، ودوكها مقرف ومقزز؟

واضح كده إن إحساسنا بالجمال، والقرف، والشهية، همه كمان ليهم عدسة بتحددلنا نُعجَب بإيه ونِشتِهي إيه ونِقرَف من إيه. عدسة إتكونت بالتعود، والصور، والبيئة اللي إتربينا فيها.

YouTube player

كلمة السر: المعيار

أتكلمنا وحكينا عن حاجات كتيرة كلها غير بعض، المشترك إن مع كل مثال كان فيه “طبيعي” ما بيتفَعَص، بس رغم كده المثال نفسه مابيتغيرش، اللي بيتغير هي الطريقة اللي بنشوفه ونفهمه ونحكم عليه من خلالها.

والطريقة دي اسمها: المعيار، هو ده اسم العدسة الخفية اللي بنشوف العالم ونقيمه من خلالها.

عادة كل مجتمع بيعمِل “معاييره” الخاصة على إيده؛ عشان تناسب ظروفه ويعرف عن طريقها يرتب حياته. بس المعيار لما يستقر، ويتكرر استخدامه لأجيال طويلة، الناس بتنسى إنه في لحظة كان مجرد طريقة أو حل أو وجهة نظر، وهنا يتحول في دماغ الناس لشيء بديهي.. ويسموه “الطبيعي”؛ بعكس كلام ابن منظور.

“الطبيعي” يا إكسلانس هو “معيار فقد مجتمعه الشعور بأنه معيار”، فبقى يتعامل معاه بوصفة الحقيقة المطلقة.

الخاتمة

دلوقتي بقى، وبعد ما عرفنا إن “الطبيعي” -اللي إحنا بنقوله غير اللي عند ابن منظور- ومش حقيقة مُطلقة إنما مجرد “معيار” تمت صناعته بالكامل، فالسؤال اللي بيفرض نفسه:

إيه حكاية المعيار ده؟ وهل هو حاجة واحدة ولا فيه منه كتير؟ وهل أصطمبة واحدة.. ولا مشَكِل؟

وهو ده اللي هندور وراه الحلقة الجاية.

Author

  • الطبيعي

    شاعر عامية وقاص مصري مهتم بالشأن النوبي ونقد الخطاب الديني






ما هو انطباعك؟
أحببته
0
أحزنني
0
أعجبني
0
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0


Slide
‫إظهار التعليقات (0)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.







حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان