رئيسة التحرير
رشا الشامي
همتك نعدل الكفة
0   مشاهدة  

كلنا سفينة ثيسوس ج7

الخلايا

Author

  • شاعر عامية وقاص مصري مهتم بالشأن النوبي ونقد الخطاب الديني

Author

  • شاعر عامية وقاص مصري مهتم بالشأن النوبي ونقد الخطاب الديني



بِفَضْل تَجَدُّد الخلايا..
كل فترة أبقى إنسان جديد
فماتزعلش مني لما أقابل حُضنك
..
بـ”أنت مين؟”
أو لما تتبدل ضحكتي في وشك
..
بابتسامة تَوَجُّس.

بِفَضْل تَجَدُّد الخلايا..
كل فترة أبقى إنسان جديد
يشترك مع اللي قبله فـ 3 حاجات
الفقر..
الغربة..
قلب ناقصه خلية ع الاكتمال
“.

الخلايا
غلاف ديوان الغريب – دار ميريت 2010

علميًا فيه ملايين الخلايا بتموت جوه جسمك وملايين تانية بتتولد، كل ثانية تقريبًا. وبالشكل ده جلدك بيتجدد، دمك بيتجدد، أمعاء بتتجدد، حتى عضمك برضه عايش في عملية مستمرة من إحلال وتبديل الخلايا. جسمك اللي أتشاقيت بيه في طفولتك مابقاش موجود، وجسمك اللي عايش بيه النهارده خلال كام سنة هيكون أتغير.

مش بس كده؛ على مدار حياتك فيه أفكار وقناعات قديمة مشيت وحل محلها أفكار وقناعات جديدة، فيه أحلام بتتشال  من الحسابات، ومخاوف جديدة بتظهر، وحتى ذكرياتك القديمة فيه منها بيتنسي تمامًا أو بتترتب وتتلون بشكل جديد، ده حتى الاسم ممكن بشوية إجراءات مُعقدة يتغير.

ورغم كل السيولة البيولوجية والذهنية دي لسه الناس بتتعامل معك باعتبارك نفس الشخص، وأنت بتبص في المراية وتشوف “أنا” بتاع زمان. الموضوع هنا مش طب وتشريح؛ الموضوع يتعلق بـ “الاستمرارية”.

إزاي بيفضل الكيان هو نفسه رغم إنه طول الوقت عايش حالة من التغيير؟

عملية التجدد الخلوي المذهلة دي محكومة بشفرة جينية شديدة الصارمة؛ لو الشفرة دي انحرفت، والخلايا دخلت في حالة انقسام عشوائي منفلت يرفض الموت لخدمة الكيان الكلي، التجدد بيتحول لـ”سرطان” يدمر الجسم. فالتجدد هو سر البقاء، بس الفوضى في التجديد = الفناء.

العَيْلَة

كل عَيْلَة قديمة مر عليها أجيال وتحولات مالهاش حصر. أجداد ماتوا، وأحفاد أتولدوا. بيوت اتباعت أو حتى أتهدت، وبيوت جديدة اتبنت. مهن انقرضت، ومهن تانية ظهرت. ومستوى اجتماعي أرتفع أو أتدهور.

ممكن تلاقي عَيّلَة كاملة مافهمش حد يعرف شكل الجد المؤسس أو تاريخ ميلاده بالظبط، عَيّلَة أفرادها عايشين في محافظات ودول مختلفة لدرجة إن كتير منهم مايعرفوش بعض، بس رغم كل ده لسه الناس بتقول “عَيْلَة فُلان”. وكأن فيه خيط سحري عابر لكل التحولات دي، قدر يحافظ على اتصاله بين كل الأجيال. فيه “هوية ما” اتنقلت وعاشت عبر الزمن.

إيه بقى الشيء اللي  استمر ده؟

المؤسسات

لو بصينا لأي مؤسسة مُعمِرة؛ الأزهر، الكنيسة، الجامعات القديمة. هنلاقي المؤسسين الأوائل ماتوا وشبعوا موت، الجمهور اتغير آلاف المرات، القيادات أتبدلوا مئات المرات، المباني اتوسعت، المقرات اتنقلت، الوظيفة نفسها وارد تكون اختلفت، المناهج واللوايح أتعادت صياغتها مرات مالهاش أول من آخر.

ورغم كده، العالم كله بيتعامل مع الكيانات دي باعتبارها “هي نفسها” مستمرة عبر الصور، رغم إن كل البشر اللي مروا من بواباتها بقوا مجرد حبر على ورق التاريخ.

فإزاي الهوية عَدِّت فوق كل التغيرات المستمرة دي؟

الخلايا
نموذج إعلاني لشجرة عائلة افتراضية

الدولة

مصر اللي بنمشي في شوارعها النهارده ماكنش اسمها مصر، مر عليها أنظمة حكم متعددة ومختلفة عبر تاريخ طويل. حدودها أتغيرت كتير، شهدت موجات هجرة واستقرار من شعوب مختلفة، سكانها اتكلموا لغات مختلفة، وعاشوا جوه تصورات دينية وثقافية متباينة تمامًا. مصر بناة الأهرام مش هي مصر البطلمية، ومصر الرومانية مش مصر الإسلامية، ومصر المملوكية مش مصر الحديثة.

كل مرحلة من دول جت بناس جُداد، ومؤسسات جديدة، وأفكار ومنظومات مختلفة. ورغم كده، ملايين البشر بيتعاملوا مع “مصر” باعتبارها كيان واحد ممتد عبر آلاف السنين. ده حتى اسمها “مصر” أتغير أكتر من مرة.

نفس الحال مع الصين، فارس، وروما، وفي كل المجتمعات المُعمِرة. وهنا السؤال بيكبر وبيتجاوز الجسم والعيّلَة والمؤسسات والدولة؛ إزاي البشر بيشوفوا الاستمرارية جوه عالم مابيوقفش ثانية واحدة عن التغير؟

دي مش ملاحظة حديثة؛ من آلاف السنين الإغريق وقفوا قصاد السؤال ده، وحولوه لقصة بقت واحدة من أشهر المعضلات الفلسفية في التاريخ: “سفينة البطل ثيسيوس”؛ كل ما لوح خشب فيها يتآكل، النجارين يبدلوه بلوح جديد، ثم لوح تاني، وتالت، ورابع.. لغاية ما جِّه يوم مابقاش في السفينة لوح واحد من الخشب الأصلي اللي بدأت بيه الرحلة. بس الناس فضلوا يسموها “سفينة ثيسيوس”.

YouTube player

الحكايات المشتركة

سفينة ثيسيوس مش طفرة في التاريخ؛ دي أقرب تكون “قاعدة”. الجسم البشري.. العَيْلَة.. المؤسسات.. الدول كلهم سفن بتغير ألواحها عشان تعيش، التغيير بيحصل طول الوقت، وفي نفس الوقت الاستمرارية مابتوقفش.

عشان كده، البشر فضلوا يدوروا على الرابط، شفرة وراثية تتنقل من جيل لجيل وتربط النسخ المتعاقبة في كيان واحد، عشان تخلي الماضي مفهوم، والحاضر قابل للعيشة، والمستقبل ينفع نتخيله. ومن هنا تحديدًا ظهرت “الحكايات المشتركة”.

كل جماعة بشرية شالت معاها حدوتة تحكي همه مين؟ وجُم منين؟ ومروا بإيه؟ ومين أبطالهم؟ وإيه اللي يعتبروه نجاح وإيه الفشل؟ وإيه القيمة اللي بتميزهم عن بقية العالم. الحواديت دي ماكنتش ترف ثقافي أو حواديت قبل النوم؛ كانت وسيلة وحيدة للحفظ على استمرارية جماعة متغيرة عايشة في عالم متغير.

إقرأ أيضا
الخلايا

إنسان متغير عايش في جماعة متغيرة جوه عالم متغير، بس مُخه متبرج بيولوجيًا إنه يدور ع الاستقرار، فحاول يخلقه عن طريق حدوتة جماعية بتلعب دور الشفرة اللي بتخلي الأجيال المتعاقبة تشوف نفسها جزء من نفس المسار، حتى لما الوشوش والأسامي تتغير، والعجيب إن الحدوتة دي عشان تعيش.. بتتغير جيل بعد جيل.

ولأن المجتمعات المختلفة بَنِت الحواديت دي بأشكال متنوعة، علماء الاجتماع والتاريخ دوروا عن اسم يجمع الظاهرة كلها تحت مفهوم واحد.. السردية.

YouTube player

السردية

السردية مش نص جامد ومحفوظ في كتاب مقفول؛ السردية عملية حية ومستمرة بتربط الأحداث، الرموز، والذكريات جوه معنى مشترك. المعنى ده هو اللي بيخلي الجماعة تتعرف على نفسها عبر الزمن.

وهنا، نقدر نربط كل خيوط السلسلة اللي مشينا فيها سوا؛ اللغة، الرموز، الطقوس، التعليم، الفقه، النخب، المؤسسات، وآليات الشرعية. كل دي مش موضوعات منفصلة، دي أدوات والشواكيش اللي شالت السردية ونقلتها من جيل لجيل. كل جيل بيتسلم نسخة من السفينة، بيصنفرها، يضيف ليها ألواح تناسب موجُه وزمنه، ويعالج الخلل اللي شايفه، ويورثها للي بعده.. والرحلة مكملة.

عشان كده، الصراع حوالين السرديات عمره ما كان مجرد خلاف فكري بارد؛ السردية لما بتشيل تعريف الجماعة لنفسها، بتبقى هي الطريقة اللي بيفهم بيها كل فرد مكانه في العالم، بتبقى مصدر المعنى، والذاكرة، والانتماء. واللعب فيها هو لعب في خيوط الهوية.

وهنا نرجع للسؤال اللي قفلنا بيه الحلقة اللي فاتت: لو اختلف النجارين على الألواح.. فمن يحدد ما هي السفينة؟

الحقيقة إن كل جيل بيستلم السفينة بشكل مختلف شوية عن اللي قبله. الأزمة الحقيقية في عصرنا الحالي مش في “تعدد النجارين”؛ التجدد طول عمره مطلوب عشان السفينة ماتعجّزش وتموت في مصيدة الاستقرار. الأزمة هي إن “الشفرة الوراثية” للحكاية الأم ماينفعش تتعامل بشكل عشوائي. لو كل نجار شال شاكوشه وقرر ينعزل بلوحه مش هيرمم السفينة ده هيصنع ورم معرفي مستقل جواها، والتجدد الخلوي هيتحول لسرطان يهدد حياة المركب بالكامل.

YouTube player

خاتمة

لما بدأنا السلسلة دي، كان شكلنا بنتكلم عن غزاة؛ الفايكنج، المغول، والعرب. بس دول كانوا مجرد بوابة. ورا قصص الغزوات والهزايم والانتصارات، كان فيه سؤال أعمق في الخلفية؛ إزاي فيه مجتمعات بتنجح تشيل هويتها عبر القرون؟ إزاي قصص معينة بتعبر الزمن وجماعات تانية بتروح في الرجلين؟

القوة العسكرية بتفتح طريق، والثروة بتبني مؤسسة، والسياسة بتعمل دولة، ودي كلها عوامل مهمة للبقاء، بس الاستمرارية محتاجة شاكوش أضافي مهم؛ محتاجة حدوتة مشتركة تقدر تربط الماضي بالحاضر، قصة الأجيال المتعاقبة تلاقي نفسها جواها.

عشان كده، ومن أقدم العصور، البشر بيسلموا السفينة من جيل لجيل، يغيروا ألواح، يثبتوا مسامير، ويواصلوا الرحلة في المجهول. وعشان هيرقليطس ماكنش بيهزر لما قال: إنك لا تنزل نفس النهر مرتين. فكل واحد فينا وكل جماعة بقوا سفينة ثيسيوس.

Author

  • الخلايا

    شاعر عامية وقاص مصري مهتم بالشأن النوبي ونقد الخطاب الديني






ما هو انطباعك؟
أحببته
0
أحزنني
0
أعجبني
0
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0


Slide
‫إظهار التعليقات (0)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.







حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان