رئيسة التحرير
رشا الشامي
همتك نعدل الكفة
2   مشاهدة  

إعادة تدوير النخب في براح السردية (ج3)

النخب

Author

  • شاعر عامية وقاص مصري مهتم بالشأن النوبي ونقد الخطاب الديني

Author

  • شاعر عامية وقاص مصري مهتم بالشأن النوبي ونقد الخطاب الديني



فيه وهم تاريخي مسيطر ع الوجدان الجمعي، إن الأقوى عسكريًا يقدر يسيد سرديته.. ويشطب اسم خصمه م الوجود كمان لو له مزاج. وأتصور إن مصدر الوهم ده هو انتشار مقولة: “التاريخ يكتبه المنتصر”. والتعامل معاها بوصفها مُسلمة منطقية تحكم كتابة التاريخ، وكأن كتابة التاريخ مش صنعة النُخب المتعلمة المؤثرة ثقافيًا في كل مجتمع.

بس الحقيقة الجيوسياسية بتقول العكس، والمغول والفايكنج خير مثال على كده. الجوز انتصروا عسكريًا واستولوا على أراضي شاسعة.. وحكموا شعوب أصحاب حضارات أعقد منهم بمراحل، بس في الوقت نفسه سرديتهم دابت؛ واختفوا حضاريًا جوه سرديات الشعوب المهزومة.

أقرأ أيضًا.. ليه الفايكنج والمغول دابوا.. والعرب علّموا على الكل؟

في حين السردية العربية عاشت وكملت لأسباب غير حسمها للمعارك، لإنها اشتغلت كنظام امتصاص حضاري مرن، حَوّل الشعوب اللي دخلت فيه لفاعلين حقيقيين جوه الماكنة، مش مجرد ضحايا بره السيستم.

أقرأ أيضًا.. الخلطة السحرية للتركيبة السردية

وهنا مش بحاول أعيد تفسير نشأة الإسلام كـ”دين”، إنما بتأمل إزاي الشعوب المهزومة شاركت -على مدى قرون- في إعادة تشكيل “التدين” وتشكيل بصمته المعرفية والوجدانية.

موقع جيوسياسي.. وثقافة سمعية

مبدئيًا محتاجين نراجع بعض الأفكار السايدة؛ بدون ما نحسم أي فرضية كأنها حقيقة نهائية، زي تفسير كلمة “أُمَّيّ”، أو مدى دقة الروايات الخاصة بـ،”المعجزات الحسية للنبي”.

وقت ظهور الإسلام، مصطلح “أُمَّيْ” كان له كذا دلالة؛ البعض فسره بجهل الإنسان للقراية والكتابة؛ استنادًا للجملة القرآنية: “وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ”[1]. والبعض مال لفكرة “الأممي”.. بمعنى “رسالته لكل الأمم”، أو بمعنى المنتمي لشعوب ماعندهش كتاب مقدس بلسانها.

ذحزمة افتراضات جمعها وقدمها -بأدلتها القرآنية المختلفة- الباحث السوري، د. عبد الرحمن حللي[2]، في مقاله الأمي والأميون: مقاربة في المفهوم.

وأيًا كانت الإجابة مش هترد ع السؤال الإشكالي: “هل نبي الإسلام كان إنسان مثقف ومطلع بمقاييس زمنه؟ ولا كان جاهل”،
خصوصًا مع ثقافية شفاهية قايمة ع الحفظ وليها رموز لامعة من المحرومين أساسًا من نعمة النظر.

النخب
فتوى من موقع إسلام ويب – رابط الفتوى كاملة

كمان المعجزات الحسية للنبي مانقدرش نحسم بسهولة هل هي حقيقة تؤكدها “روايات غير قرآنية”؟ ولا مرويات تتعارض مع القرآن؛ زي كلام القرشيين إن النبي محمد بلا معجزة زي باقي الأنبيا، حسب كلامهم المذكور في سورة الرعد[3] أو الأنعام[4].

YouTube player

ولا بتتضارب بشكل قاطع مع النص القرآني وتفسيراته المعتمدة زي ما حاصل مع آية 59 – الإسراء؟[5]

تسييل الطبقات.. ومساحات الموالي

عشان ماننجرش لصراعات دينية هتسوقنا لضبابية البحث ورا تواريخ ظهور الروايات دي؛ كجزء من سرديات “فرعية” بتشكل السردية الكبرى.

مهم نقف قدام حقيقة تاريخية؛ السردية العربية ماكنتش منغلقة دينيًا، بس نظام الحكم والامتيازات كان أميل للانغلاق العرقي والقبلي. الخلافة استقرت في قريش منذ حادثة السقيفة، والعرب احتلوا موقع الطبقة العسكرية الأعلى، أما الشعوب التانية اللي تبنوا السردية العربية؛ فتم تصنيفهم اجتماعيًا تحت اسم “الموالي”.

تركيبة “الموالي” وظروفهم أعقد من الحواديت السهلة المعتادة؛ فلا همه محض ضحايا مسحوقين، ولا مجرد تكنوقراط انتهازيين غيروا يافطة الولاء لزوم المصلحة، ولا قلوب مغلفة ما جيوش الغازي أو الحاكم الأقدم أتهزمت قلوبهم انشرحت للإسلام. فالواقع الإنساني دايما أكتر فوضوية وتعقيد من كده.

بس الأكيد إن النخب الإدارية والثقافية للشعوب المهزومة -زي (كُتاب الشام، دهاقين[6] فارس، وكَتَبِة مصر)- لما إجادة العربية وتبني السردية العربية بقوا على رأس شروط العمل والترقي والنفوذ، النخب دي ماختفتش؛ غالبيتهم عملوا اللي أي طبقة ذكية في التاريخ بتعمله، أعادت تموضعها جوه النظام الجديد بدل ما تتهمش براه.

دفعوا كُلفة الدخول متمثلة في تبني لغة المركز الجديد وسرديته. وقالوا للمنتصر -مجازيًا بلِسان الواقع-: “ليكم الشرعية ومركز السردية.. ولينا المساهمة في تدوينها وتشغيلها وتوسيعها”.

طبعًا مش كمؤامرة بين مجموعة حددوا ساعة الصفر واتقابلوا في مغارة حطوا فيه خطة خفية، ولا صفقة على ترابيزة مفاوضات. إنما كآلية طبيعية للبقاء والتأثير في ماكنة كبرت أسرع من تصورات أصحابها أو قدرتهم ع التحكم فيها.

تفاعل حياتي مُعقد؛ العرب، وقبل ما يدونوا سرديتهم ولا لغتهم بشكل محكم، وفروا لغة جامعة ومركز سياسي قوي فالشعوب المهزومة لقت مساحة تشارك فيها بعيد عن الحكم والعسكرية؛ زي الإدارة والتدوين والتأويل والتطوير الفكري.. إلخ.

ومن التفاعل ده خرجت حضارة أكبر من مجموع مكوناتها.

YouTube player

احتكاك مبكر وتفاعل إنساني

الاحتكاك بين السردية العربية والثقافات غير العربية ماظهرش فجأة، في لحظة التدوين المتأخرة، إنما كان له حضور أقدم. نشوف ملامحه في شخصيات من خلفيات حضارية مختلفة، زي سلمان الفارسي أو بلال بن رباح الحبشي، وحضورهم في فضاء المشورة والمعرفة.

مع الوقت، بدأت الشعوب الداخلة في الإسلام -الموالي- تنقل حساسيتها الوجدانية القديمة إلى التدين الجديد؛ مش لأنها “بتشوّه الدين”، بل لأنها ببساطة بتفهم العالم بلغتها النفسية والتاريخية الخاصة.

النص المركزي في السردية العربية، القرآن، كان موجز بدرجة كبيرة -بالنسبة لكتاب للبشرية كلها- فتلاقي التفاصيل الرفيعة في القصص، اللي البشر عادة بيحبوها وتعتبر وقود تدينهم اليومي.

فمع اتساع الإمبراطورية، بدأت تظهر “السرديات المُكمِلة”: تفاسير، مرويات، أحاديث، قصص شعبية، تحاول تملأ الفراغ ده وتمنح “التدين” ملمس وجداني أقرب لحياة الناس اليومية. ماوردش فيه مثلًا اسم حواء، ولا تفاصيل المعراج الكونية الطويلة، ولا البنية الدرامية لعذاب القبر[7].

لكن الباحثين رصدوا تشابهات وتقاطعات مثيرة للاهتمام بين بعض السرديات العربية الأحدث وبين موروثات أقدم في المنطقة؛ فتقاطعت بعض صور المعراج مع نصوص فارسية قديمة، وتتشابه طقوس وتصورات جنائزية مع مثيلتها من العقيدة المصرية[8]، كمان تبني نظم اجتماعية وتأويلية معروفة في مجتمعات مسيحية نسطورية ويهودية الشرقية قبل الإسلام بقرون.

أقرأ أيضًا.. هكذا تفسح زرادشت

النتيجة

كل ما سبق ماينفعش تقديمه كـ”نسخ مباشر” أو “لوي دراع” للدين؛ لأن تاريخ الثقافة أعقد من كده بكتير. فالأقرب إن الشعوب لما بتدخل أي سردية عالمية جديدة، بتستقبلها وتعيد تفسيرها عبر مخزونها الرمزي القديم، وبتصب حساسيتها الخاصة جوه الأوعية التفسيرية المتاحة.

وده مش استثناء إسلامي؛ المسيحية لما انتقلت من كونها ديانة شرق أوسطية مضطهدة إلى الديانة الرسمية للإمبراطورية الرومانية عاشت تفاصيل مشابهة[9]، والبوذية لما وصلت الصين أتأثرت بالثقافة الصينية.

في النهاية، نقدر نلخص كل الشرح السابق لعدة أمثلة مباشرة لتحول أبناء الشعوب المهزومة تدريجًا لتروس أساسية في هندسة علوم السردية نفسها؛ فنلاقي إن صياغة علم النحو وتقعيد اللسان العربي تم على أيد ناس زي “سيبويه”[10]” الشهير بـ صاحب الكتاب“، وهو من “الموالي”. كمان كبرى كتب الحديث والفقه تم تدوينها عن طريق أبناء حواضر “خراسان” ووسط آسيا، زي البخاري ومسلم والترمذي.. إلخ.

الانتصار الحضاري مش معناه إن طرف اختفى واتمسح من الوجود؛ معناه إن النظام الجديد نجح يمتص طاقات المختلفين ويعيد تشغيلها جوه ماكنة أكبر من الكل.

الحضارات مابتنتصرش بالسيف لوحده.. بتنتصر لما تسمح للمغلوب إنه يهرّب نفسه إلى داخلها.

النخب
غلاف الكتابة

المزيد من الأسئلة..

لغاية هنا إحنا بنتحرك في فلك رموز، وحكايات، ولغة، وفقه، وميثولوجيا تفسيرية مكملة؛ وكل ده عظيم وممتع أنثروبولوجيًا، بس الحكاية لوحدها مش هتلم الضرايب، والنص لوحده مش هيدور سواقي الدلتا، ولا يظبط دفاتر الخراج المعقدة في حواضر فارس.

إقرأ أيضا
النخب

مين بقى اللي حوّل التجريد الروحي والقصصي واللغوي ده كله لنظام حكم، وإدارة، وبيروقراطية، واقتصاد يومي صارم يحكم الأرض بالورقة والقلم؟ مين ترجم الحلم البشري لدفاتر حسابات؟

ده الصراع البراغماتي الصعب اللي هنفتش في أوراقه الحلقة الجاية.

نتقابل الأسبوع الجاي.

 

المراجع

[1]) وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48 – العنكبوت)

[2]) أستاذ جامعي سوري متخصص في الدراسات القرنية حاصل على درجة الدكتوراه في أصول الدين من جامعة الزيتونة في تونس.

[3]) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ۗ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ ۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ. (7 – الرعد)

[4]) وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ۚ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يُنَزِّلَ آيَةً وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (37 – الأنعام)

[5]) وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ۚ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا ۚ وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا.

[6]) نبلاء الفرس أو قيادتهم الاجتماعية.

[7]) راجع فجر الإسلام ج1 – أحمد أمين

[8]) تلقين الميت وسؤال القبر فى العقيدة المصرية القديمة – د. ثناء الرشيدي، أستاذ الآثار المصرية بقسم الآثار المصرية – کلية الآثار بقنا – جامعة جنوب الوادي.

[9]) راجع تاريخ الفكر المسيحي” (المجلد الأول) – د. جون لوريمر (مؤرخ وأكاديمي متخصص في التاريخ الكنسي).

[10]) عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي بالولاء، أبو بشر، الملقب “سيبويه“.

Author

  • النخب

    شاعر عامية وقاص مصري مهتم بالشأن النوبي ونقد الخطاب الديني






ما هو انطباعك؟
أحببته
0
أحزنني
0
أعجبني
0
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0


Slide
‫إظهار التعليقات (0)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.







حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان