0 مشاهدة
السردية تواجه الموت وأزمة المعنى (ج4)

Author
Author
عشان نفهم إزاي بدأت أزمة المعنى، لازم نواجه فكرة مش مريحة؛ فكرة إن الموت مش دايمًا نهاية.. أحيانًا بيكون لحظة إعادة تعريف.
بعد موت الجيل المؤسس للإمبراطورية العربية وسرديتها، مانزلتش تترات النهاية، بالعكس اتفتح باب جديد، باب عالم مافهوش بداية واضحة أو نهاية مؤكدة، عالم سرديات فرعية بتتولد بلا توقف.
سرديات بتتصارع على حق تفسير “السردية الأم”، ومع الوقت، الصراع بقى القاعدة مش مجرد استثناء لحظي؛ لدرجة إن أي محاولة لبداية جديدة كانت بتتحول بشكل تلقائي إلى إعادة تدوير للبداية الأولى نفسها.
أقرأ أيضًا.. ليه الفايكينج والمغول دابو والعرب علموا على الكل؟
قتل الجيل المؤسس.. وتخليده
يعيش الجيل المؤسس حالة من الحضور المستمر لإنه مختلف عليه مش العكس، وفي لحظة خروجه فيزيائيًا من التاريخ دخل عالم التأويل؛ مابقيناش بنتكلم عن أشخاص عاشوا وماتوا، بقينا بنتكلم عن رموز كل جيل بيحاول يعيد قرايتها من جديد.
عثمان مابقاش مجرد خليفة تم اغتياله في أزمة سياسية، وعلي ماعدش مجرد طرف في صراع على السلطة، والحسين تجاوز كونه محارب مهزوم، كل شخصية منهم -وغيرهم- أتحولت مع الوقت إلى معادل موضوعي لمعنى وقيمة مطلقة.
ومع كل أزمة جديدة، سياسية أو دينية، الشخصيات دي بتخرج من الماضي؛ عشان تساعد الناس يحددوا موقفهم أو يظبطوا بوصلتهم الفكرية، فبشكل عملي الماضي مابقاش زمن انتهى.. بقى مخزون شرعية. فالمسلمين عبر العصور بقوا يخوضوا معاركهم الأيدلوجية بأدوات الجيل المؤسس؛ واعتباره مرجعية غير قابلة للتجاوز.

الخوف ع النص المؤسس
الجيل الأول واقف قصاد أزمة مرعبة جدا؛ احتمالية ضياع النص المؤسس؟ بعد وفاة النبي، ثم حروب الزكاة والردة، بدأت السردية العربية تواجه شبح الموت باختفاء النص المؤسس. لأن المسلمين الأوائل راح منهم كتير في الحرب، والذاكرة البشرية، مهما كانت قوية، بتخضع في النهاية لنفس القانون.
في اللحظة دي ظهر الخوف من تحول النص المؤسس إلى ذكرى أو شظايا متفرقة محفوظة في صدور أفراد عددهم بيقل وذاكرتهم بتضعف بمرور الزمن. خوف بدأت معاه السردية تدور على وسيلة تجعل بيها عمرها أطول من عمر الإنسان نفسه.
فكرة بسيطة مثلت أول محاولة مؤسسية لفصل الذاكرة عن أصحابها في التاريخ العربي؛ وأول خطوة في رحلة طويلة لتحويل تجربة بشرية عاشها جيل محدود لمرجعية قادرة تعيش بعد رحيل الجيل المؤسس بسنين وسنين.

الوجود والتفسير
افتراض إن الجيل المؤسس كان واقف قدام النص بوصفه مادة للتأمل، هو افتراض بيغفل طبيعة اللحظة نفسها، لأن النص ماتولدش في فراغ هادي يسمح بالتفكير البطيء والتأمل المعرفي.
صحيح تجربة الوحي امتدت حوالي رُبع قرن، لكن الفترة الزمنية دي ماكنتش هادية أبدًا؛ حوالي عشر سنين في مكة كان خلالهم الوجود في حد ذاته هو الفكرة المُسيطرة. دعوة سرية، مجتمع محدود، ملاحقة مجتمعية وسياسية، جعلت مجرد البقاء أولوية سابقة على أي تأمل في المعنى.
ثم انتقلت التجربة إلى المرحلة المدنية، اللي تبان ظاهريًا أكتر استقرارًا، بس عمليًا كانت استمرار للضغط بشكل مختلف؛ صراع سياسي، تأسيس دولة، وتتابع سريع للأحداث العسكرية.
من السرايا الأولى، مرورًا بغزوة بدر -بعد سنتين بس من الهجرة- إلى أخر سلسلة طويلة من الغزوات والسرايا جوه يثرب وبراها، إيقاع عام أقرب لحالة كر وفر مستمرة بلا توقف.
في سياق زي ده، التفكير المنهجي أو التأمل بيكونوا رفاهية صعبة التحقق، مش لأنه ممنوع إنما لأنه مش أولوية وجودية. عشان كده تأخر التفسير يُعتبر أثر طبيعي لبنية التجربة نفسها.. مش نقص معرفي.
باختصار؛ النص وعلى مدار تكونه ماكنش موضوع للتفكير، كان جزء من فعل حي جوه واقع متحرك وضاغط جدًا، وبعدها بسنين إتحول إلى موضوع للتأمل والتفسير؛ نتيجة لظروف وضغوط تانية مختلفة.

من يملك حق الكلام باسم الأصل؟
بمشروع “جمع القرآن” النص المؤسس نجا من خطر الضياع، بس الأزمة مانتهتش، لأن الوجود شيء والاتفاق ع المعنى شيء تاني خالص.
فمع اتساع الدولة، وتزايد الضغوط السياسية والمجتمعية، بدأت الخلافات تظهر وتكبر.. وجت اللحظة الفاصلة بقتل عثمان. ورغم إن الخليفة اللي قبله -عمر بن الخطاب- برضه مات مقتول؛ بس قتل عثمان على أيد عرب مسلمين كان له وقع مختلف وقوي فجر في وش الجماعة الناشئة سؤال محوري، مين من حقه يتكلم باسم الأصل؟
بالتالي تأثير أغتيال عثمان ماكنش على قد كونه جريمة سياسية، بقى خلاف على معنى العدالة، والشرعية، والسلطة، وحدود الطاعة، وطبيعة الجماعة نفسها. لإن كل طرف في الأزمة كان ملزم بشرعنة موقفه دينيًا، فكل معسكر كان محتاج يثبت لأفراده قبل خصومه إنه الأقرب لروح البداية الأولى.
عشان كده الفتنة الكبرى مش محض حرب أهلية مبكرة، ما حروب الزكاة والردة سبقتها، إنما كانت أول اختبار حقيقي لقدرة السردية ع البقاء وجيلها المؤسس منقسم على ذاته وبيتنازع عليها. ولأول مرة نفس النص، ونفس الذاكرة، ونفس الجيل المؤسس، ينتجوا مواقف متعارضة تمامًا.
هنا ظهرت أزمة جديدة؛ إذا كان الأصل واحد والمرجعية واحدة، فإزاي نحدد مين أقرب للأصل؟ سؤال تجاوز ساحة المعركة.. وزمنها، وعاش أطول من معارك العرب عبر تاريخهم. سؤال فرض ع السردية العربية مهمة أصعب من حفظ النص المؤسس.
بس الفتنة الكبرى لوحدها مش كفاية لتفسير التحول ده. فخلال نفس الفترة الدولة كانت بتتمدد بسرعة، وبتدخل تحتها شعوب ولغات وتجارب مختلفة ماعاشتش لحظة التأسيس.
ومع اتساع المسافة الزمانية والجغرافية بين الجيل المؤسس للإمبراطورية ومن تحكمهم، بقى عندنا سؤال مُركب “إيه اللي حصل؟ وإزاي نفهمه؟ وإزاي ننقل الفهم ده لجماعات ماشاركتش في صنعه؟”، وهنا تحديدا بدأ الاحتياج يتجاوز مجرد حفظ الأصل إلى بناء طرق مستقرة للوصول إليه وفهمه بشكل موحد.
الصراع السياسي وضرورة ضبط المعنى
الفتنة الكبرى مافتحتش باب الخلاف السياسي وبس، فتحت كمان باب أخطر بكتير؛ باب تعدد أوجه الحقيقة جوه نفس المرجعية. المشكلة ماكنتش الاختلاف في حد ذاته إنما إنه حصل باسم نفس المصدر؛ وهنا السردية بدأت تفقد تفصيلة مهمة (وحدة فهم المعنى). ومع استمرار الصراع، فكرة أن النص “واضوح بذاته” تراجعت قصاد فكرة جديدة بتقول إن النص “حمال أوجه”.
وبكده المعركة مابقتش بين معسكر مؤمن بالسردية ومعسكر كافر بيها؛ بقت بين مجموعة معسكرات كلهم مؤمنين بالسردية.. بس كل واحد فيهم عنده تفسير مختلف لنصها المؤسس.
عشان كده “الفتنة الكبرى” كانت بداية ضغط جديد ع السردية، ضغط إن المعنى أصبح “مختلف عليه”، بالتالي زي ما تم توحيد النص بعد حروب الزكاة والردة، بقى لازم يتبني نظام يضمن إن معناه يفضل ثابت وهو بيتنقل.
أقرأ أيضًا.. الخلطة السحرية للتركيبة السردية
الحاجة لأدوات التفسير
بعد الحرب الأهلية الأولى (الزكاة والردة)؛ ظهر خوف حقيقي على بقاء النص المؤسس فتم جمعه وتدوينه. لكن الحرب الأهلية التانية (الفتنة الكبرى) ساهمت في خلق حاجة من نوع جديد؛ الحاجة المتزايدة إلى أدوات تضبط انتقال المعنى. المعنى هنا بقى لازم يتفهم في سياق محدد، والفهم نفسه يبقى له أصل معروف، وسكة واضحة تقدر ترجع بيها خطوة خطوة لحد ما يتم تنسيبها لشاهد عيان من الجيل المؤسس.
وده بالظبط السياق المعرفي اللي ظهرت فيه علوم الرواية، وتمييز الأخبار، وعلم الرجال. ومن اللحظة دي، رحلة حماية الأصل خرجت تماماً من مرحلة حفظ “النص”.. ودخلت مرحلة حراسة “المعنى”.
أقرأ أيضًا.. إعادة تدوير النخب في براح السردية
ضبط المعنى
من أيام الحرب الأهلية الأولى “حرب زكاة والردة” والخوف من نسيان النص، ووصولًا لأزمة فهم المعنى، خلال الحرب الأهلية التانية “الفتنة الكبرى”، السردية بدأت تدخل مرحلة جديدة؛ السردية بدأت تتحول من كونها “حكاية مؤسِسَة” إلى “بنية مؤسَسَة”.
مرحلة ماعدتش البنية القديمة للتلقي مناسبة ليها، لإنها كانت قايمة على افتراض وحدة ضمنية في الفهم، وحدة بدأت تتآكل تدريجيًا مع اتساع التجربة وتعدد مراكزها. ومع تآكل الوحدة دي، بقى الاحتياج مش متعلق بمجرد عرض الأصل، لكن بالحرص على نقل فهم محدد له؛ وما يثبت إن الفهم ده هو نفسه فهم الجيل المؤسس.
ومن هنا، ماكانش اللي بيتولد أدوات للحفظ أو التفسير، كان بيتولد نمط كامل من الظبط، بيحول المعنى من شيء متداول بحرية، لشيء عنده مسار خاص، عنده مرجعية “عربية”. وده الحد الفاصل اللي بدأت عنده السردية تتحول من كونها حكاية مؤسِسة إلى كونها بنية مؤسسية.
وفي النقطة دي السؤال تحول من “إزاي نحافظ على الأصل؟” إلى “مين يملك حق تفسيره؟”؛ السؤال هيستمر يطارد السردية قرون طويلة بعد انتهاء جيلها المؤسس.
Author
ما هو انطباعك؟








