0 مشاهدة
المعيار.. كتالوج البشرية (2-10)

Author
Author
عريس واقف في قاعة الفرح، عرقان، والكرافتة كابس على نَفَسه، والجزمة الكلاسيك الجديدة بتعضعض صوابع رجليه، يبص حواليه يشوف الـDJ شغال، والـCandy Bar متزوق، والمعازيم بتصقف، وهو عمال يحسب في سره دفع كام عشان الليلة تعدي، ولسه مستني ميعاد البوفيه اللي اتحدد له من إدارة القاعة، وطبعًا هو مش هيقدر ياكل؛ بس عايز يتطمن إن السيرفيس هو نفسه اللي اختاره من كتالوج “أوبشَنات” القاعة.
في اللحظة دي لو سألته: “إنت بتعمل إيه؟”، هيعدل ياقة القميص، ويبص للكاميرا بابتسامة من الودن للودن، ويقول بثقة: “دي ليلة العمر يا زميلي.. بعمل فرحي بمزاجي وعلى ذوقي”.
بس عمليًا يا إكسلانس، صاحبنا مايعرفش “ذوقه” ده مصدره إيه أصلًا. عشان كده يا كبدي مُعتقِد إن دي أفكاره وإنه سيد قراره، لكن في الواقع هو وعروسته بينفذوا كتالوج ضخم كتبه ورسمه ناس عمره ما قابلهم، وبدأ قبل ما همه الإتنين يتولدوا بسنين طويلة.
كل صفحة في الكتالوج بتقولهم يعملوا إيه، وإمتى، وإزاي.. وهمه الإتنين بينفذوا التعليمات بمنتهى الإخلاص. كتالوج تشغيل كامل، كل صفحة من صفحاته فيها نوع مختلف من المعايير. شوية لتنظم الحركة، وشوية غيرهم بيصنعوا المعنى، وحبة تانيين لتنظم المجتمع نفسه.
وتعالى نقلب أول صفحة.

أول صفحة: معايير تخلي الكوكب يشتغل
من أوائل استعدادات الحفلة حجز القاعة، عريس الليلة وبعد ما حدد الميعاد المناسب لكافة أطراف الليلة، هو وعروسته وأسرته وأسرتها وخالته وجوز عمتها.. إلخ، عَمَر محفظته الألكترونية وطلع ع القاعة، اللي اختيارها مر بنفس الدايرة.
العريس: عايز أحجز القاعة تاني جمعة في الشهر بعد الجاي.
رد الموظف كان بسيط وقاطع: “الجمعة محجوزة، المتاح السبت، القاعة بتكون جاهزة من الساعة 8.00م”.
في لحظة، اضطر يعيد ترتيب خططه هو وأهله ونسايبه وأصحابه، ويضرب عرض الحائط بكلام عمته نوال؛ عشان يتوافق مع جدول مواعيد القاعة، اللي حماته حددتها في إطار تنافسها مع فرح هايدي بنت سعاد اختها. بس المهم في سياقنا إنه ماسألش نفسه للحظة: ليه الساعة 8.00م؟ ليه السبت؟ وليه بنقسم حياتنا بالطريقة دي؟
فلكيًا السنة مرتبطة بحركة الأرض حوالين الشمس أو القمر حوالين الأرض، بس تقسيمها لشهور، وأسابيع، وأيام، وساعات، ودقايق؛ ده نظام وضعه البشر عشان يخلقوا لغة مشتركة ينظموا بيها حياتهم.
من غير اللغة دي، ماكنش فيه مواعيد، ولا قُطُارات، ولا مدارس، ولا أفراح. ده حتى الشعوب اللي اختارت تحسبها بدوران القمر حوالين الأرض ماكنوش عارفين يظبطوا مواعيد تجارتهم مع بتوع السنة الشمسية فاخترعوا شهر زيادة عملوه تخشينة للسنة بتاعتهم عشان ماتلّفِش.
نفس الحكاية حصلت مع الفلوس، العريس دفع “مُقدم” كذا جنيهات. ورق مطبوع، قيمته المادية ماتساويش حاجة تقريبا، بس المجتمع كله وافق يتعامل معاه باعتباره ممثل للقيمة.
اتفاق جعل التجارة ممكنة، وملايين الناس قدروا يشتروا ويبيعوا كل يوم من غير مقايضة. تخيل كده لو صاحب القاعة قال لعريسنا: “الحجز بخروفين وشوال رز بسمَتي”، كانت كل معاملة هتتحول لمفاوضة مستقلة بذاتها، مش زي دلوقتي مجرد شوية أرقام بيتكتبوا ع التليفون وصوت رنات متتالية ونسمع بعدها أحلى “ألف مبروك”.

مشوار جانبي
وهو راجع البيت عريسنا كلم عروسته عشان يجيبوا هدوم الفرح، بعدها دخل محل أحذية وقال للبياع: عايز جوز كلاسيك 42. هنا البياع ماقاسش رجله، ولا سأله عن طول صوابعه، ولا استدعى حد يرفع أبعاد قدم رجل الزبون، فقط مد إيده سحب كرتونة مكتوب عليها “42”، وطلعت الجزمة مناسبة لرجله مظبوط.
مشهد بيتكرر في اليوم الواحد ملايين المرات، لدرجة إننا مابقيناش نشوف المعجزة اللي وراه، المقاس “42” مش ضمن قوانين الطبيعة، ولا وحم بنتولد بيها على رجلينا. ده معيار اتطور مع تطور الصناعة، واستقر بعد توحيد المقاسات، عشان كل مصنع، وكل محل، وكل زبون، يتكلموا اللغة نفسها، بالتالي ينفع يبقى فيه خطوط إنتاج شغالة بلا توقف، مش كل جزمجي يستنى الزبون ويرفع مقساته ويتواعدوا بعد جُمعة يسلمه البضاعة.
الوقت، والفلوس، والمقاسات، كلها معايير وظيفية مهمتها توفير طاقتنا.
البشرية عشان ماتحرقش نُص عمرها في جدال على أبسط التفاصيل، اخترعت المعايير؛ كاتفاق اشترينا بيه أرضية مشتركة نتحرك عليها كلنا، إتفاق من ضمن بنوده إننا نتنازل طواعية عن جزء من اختلافاتنا الفردية، مقابل لغة واحدة نفهم بعض بيها.
دي يادوب أول صفحات الكتالوج لسه في صفحات تانية، أخطر بكتير.. صفحات بتنظم طريقة تفكير البشر.

الصفحة التانية: معايير صناعة المعنى
لما نقلب صفحة الكتالوج هنلاقي نوع مختلف عن المعايير بتاعت “هنشتغل إزاي؟”، معايير مخصصة لسؤال: “هنفهم الحاجة دي إزاي؟”.
تعالى يا إكسلانس نرجع لصاحبنا العريس اللي سيبناه بيقيس الجزمة.
أهو قابل عروسته وكل حد فيهم دخل محل ملابس يشتري طقم الفرح، هي فستان أبيض وهو بدلة سودة.
بس ليه بدلة؟ ده عمره مالبسها في حياته، وليه سودة؟ وإيه أم المشنقة اللي حوالين رقبته دي؟ ثم إحنا في يوليو والجو ولعة؟! وليه فستان العروسة أبيض ومنفوش كده، دي محتاجة كورسات عشان تعرف تمشي بيه؟!
ليه العريس مايحضرش بتيشيرت قطن وشورت مريح؟ والعروسة تلبس ترينج شيك أو أي حاجة تخليها مرتاحة وعارفة تتنطط مع صاحباتها؟، اختيارات عملية، وأريح، وأرخص، وأنسب للجو. عرض كومبو.. راحة للجسم والجيب في عبوة واحدة.
بس ماحدش بيفكر فيه، وحتى لو حد فكر مايقدرش ينفذ، لأن لحظتها مش بس عمتو نوال وهايدي ومامتها -خالتو سعاد- اللي هياكلوا وش العروسين، دول هيتم التعامل معاهم كفقرة في سيرك مش إتنين في ليلة فرحهم.
وده لإن المهمة الوظيفة للهدوم في اللحظة دي بتاخد خطوتين لورا، وبتطلع للهدوم وظيفة تانية بتتصدر المشهد وتتحكم فيه؛ الوظيفة الرمزية.
البدلة هنا مش مجرد قماش يغطي الجسم، بقت رمز للجدية والوقار اللي يليقوا براجل بقى مسؤول عن أسرة، والفستان الأبيض مش مجرد فستان شيك، بقى رمز لفرحة العروسة ولبداية حياة جديدة.
عشان كده، لو غيرنا الرمز، ورغم إن الوظيفة العملية شغالة، إحساس الناس بالمشهد كله بيتغير. المعازيم وطقم السرفيس، الفريندز والمتابعين ع السوشيال ميديا، الحطابين في الجبال والمارة بجوار القاعة، كل دول هدوم العروسين بتبعتلهم رسايل وهمه بيترجموها. وده بالظبط دور المعيار الرمزي؛ تحويل الأشياء من كونها مجرد أشياء إلى رسايل.
عشان كده، لو العريس دخل القاعة بالبيجامة، غالبًا هيسحبوا منه العروسة ويجوزوه هنومة. لإنه كسر معيار رمزي اتفق عليه المجتمع. ما لو إهمال المعيار الوظيفي عقابه الفوضى، فإهمال المعيار الرمزي عاقبه نظرة المجتمع وكلام الناس اللي بيقدم وبيأخر، رغم كل محبتي لـ”أبو وديع”.

الصفحة التالتة: معايير لحماية المجتمع
أخر صفحة في الكتالوج فيها تفصيلة مهمة جدًا بتجاوب على سؤال ماجاش في بالنا من أول الحلقة؛ هي الليلة دي كلها لزمتها إيه؟
إيه لزمة القاعة؟ والبدلة الخنيقة والجزمة التي تنهش صوابع الرجلين؟ ليه إنسان يلبس فستان يقلل قدرته ع التحكم في جسمه؟ ليه فيه شهود وعقد ومأذون ولا قسيس؟ إيه لزمة الدعوات المطبوعة أو المتصممة جرافيك؟ إيه أم المصاريف والشحططة دي كلها؟
الإجابة ببساطة؛ لأن المجتمع في اللحظة دي بيدشن مؤسسة اسمها الجواز، هي أولًا معيار أخلاقي يجعل العلاقة الجنسية بين الإتنين دول مقبول مجتمعيًا. كل مجتمع عبر التاريخ احتاج يخلق إطار ينظم العلاقات بين أفراده، ويحدد المسؤوليات، ويحمي الحقوق، ويضمن استقرار الأجيال اللي جاية.
إقرأ أيضًا.. عن أشكال الزواج عند العرب قبل الإسلام
وثانيًا الإطار ده، مؤسسة الجواز، أول خيط في شبكة كاملة من المعايير: مين مسؤول عن إيه؟ مين هيورث مين؟ إيه حقوق العيال المتوقع إنتاجهم؟
وزي ما حضرتك شايف كده كل الأسئلة دي ملهاش علاقة بشكل البدلة، ولا مقاس الجزمة، ولا “الكلوش” بتاع الفستان، بس دي كلها معايير بتنظم المجتمع نفسه. معايير من غيرها هيبقى عندنا خلاف ع الحقوق، والواجبات، والأنساب، والميراث.
فلو أول صفحة في الكتالوج بتنظم حركة البشر، والتانية بتنظم معانيهم، فالصفحة دي بتنظم علاقاتهم وروابطهم ببعض. وده يخلينا نلاحظ حاجة مهمة؛ كل ما قلبنا صفحة في الكتالوج، بنغوص لمستوى أعمق؛ بدأنا بتنظيم الوقت ثم وصلنا لتنظيم المعنى ودلوقتي وعند تنظيم المجتمع نفسه.
وهنا أظن الصورة بدأت تكتمل.
المعايير مش قيود اخترعها حد عايز يرخم ع البشر، المعايير هي البنية التحتية الخفية اللي مخليانا نعرف نعيش مع بعض، من أول مقاس الجزمة.. لحد شكل المجتمع نفسه.

المعيار كمرجع ذهني
لو رجعنا لعريس الليلة، هنكتشف إنه ماعملش أي حاجة بره الصندوق. حجز في مكان متعارف عليه، في توقيت مفهوم، دفع بعملة معترف بيها، اشترى مقاس معتمد في السوق، لبس هدوم متفق عليها مجتمعيًا، وعمل كل الخطوات دي عشان علاقته مع حبيبته تتماشى مع معيار أخلاقي حاكم لمجتمعه.
يعني هو وحبيبته بيتحركوا جوه كتالوج واحد ثابت من أول لحظة لأخر لحظة.
وده ياخدنا لفكرة مهمة، المعيار ببساطة، هو اتفاق يسمح لعدد كبير من البشر إنهم يتصرفوا طبقًا للقواعد نفسها، من غير ما يبدأوا التفكير من الصفر كل مرة.
تخيل يا إكسلانس لو مافيش معيار للوقت، ولا العملة، ولا المقاسات، ولا الطرق، ولا القوانين، دي تبقى مصيبة. كل بيعة وشَروة، كل اجتماع، كل رحلة، كل علاقة، هتحتاج تفاوض جديد من البداية. البشرية كانت هتصرف معظم عمرها في إعادة اختراع نفس الحلول، بدل ما تطورها وتبني عليها.
المعيار في أصله مش نقيض الحرية، ولا مؤامرة هدفها التحكم في البشر. هو واحد من أهم الاختراعات اللي سمحت للحضارة إنها تقوم أصلًا. هو اللغة المشتركة اللي خلت ملايين البشر يعرفوا يشتغلوا، ويتبادلوا، ويتعلموا، ويعيشوا مع بعض، رغم إنهم عمرهم ما اتقابلوا.
المعايير عمرها ما كانت مشكلة في ذاتها، المشكلة بتبدأ لما المعيار يستقر لدرجة إننا ننسى إنه معيار.
لما يتحول من اتفاق بشري قابل للمراجعة إلى حقيقة مطلقة ممنوع نراجعها.
المشكلة لما الناس تبطل تشوف الكتالوج وتتعامل مع محتواه إنه جزء من قوانين الكون؛ فتسميه “الطبيعي”.
فيه حاجة كمان لازم ناخد بالنا منها؛ مش كل المعايير بتعيش جوه نطاقها المحلي ومابتتجاوزش حدود مجتمعها، فيه معايير بتعدي الحدود، وتبقى مرجعية لمجتمعات وشعوب تانية. ودي قصة مختلفة.. لسه وقتها ماجاش.
الحاج صاحب المعيار
الحلقة دي عرفنا أنواع المعايير ومدى هيمنتها على مفردات حياتنا، عرفنا كمان أهميتها واستحالة الحياة من غيرها، وشوفنا قد إيه ريحت البشر، ونظمت حياتهم، ووحدت لغتهم، وحجِمِت الفوضى، ووفرت علينا ملايين الساعات من التفكير والمفاوضات.
بس خلال رحلتنا مع عريس الليلة في صفحات الكتالوج، بيظهر في بال المواطن مننا سؤال صغير.. بس يحير.
الكتالوج ده جِه منين؟
لو المعيار مصنوع وماهواش سُنة كونية، يبقى مين صممه.. ونشره.. وحافظ عليه؟
إيه اللي يخلي كتالوج يخرج بره حدوده، ويبقى هو المرجع اللي مجتمعات تانية تلتزم بيه؟
بمعنى أدق.. مين مؤلف الكتالوج؟
وده بالضبط الباب اللي هنفتحه الحلقة الجاية، بس مش هندور على أول واحد اخترع معيار، لكن عشان نفهم مين بيملك القدرة على صناعة المعايير، ومين بيملك القدرة على تحويل معاييره المحلية إلى معايير عالمية.
دمتم بوعي.. ونشوفكم الحلقة الجاية.
Author
ما هو انطباعك؟








