0 مشاهدة
مكاري شِل يا مجتمع.. حين ندمن كلنا ع المُسَكِن

Author
Author
لما حد بيتعب ويروح للدكتور، وبعد الكشف والذي منه الدكتور يكتبله روشتة فيها نوعين من الأدوية؛ الأولاني ده المُسَكِن.. يهدي الوجع بعد ما قام بدوره وفهم الإنسان إن عنده مشكلة، والتاني العلاج الحقيقي اللي بيشتغل على إزالة سبب المرض.
المُسَكِن مش غلط، بالعكس، ده ضرورة إنسانية عشان المريض يعرف ع الأقل ينام، وضرورة عملية عشان الإنسان يقدر يستحمل العلاج نفسه.
بس لو الدكتور اكتفى بكتابة المُسَكِن، أو المريض فَرِح إن الوجع اختفى فطنش الدوا التاني، هنا تحصل الكارثة؛ والمُسَكِن يتحول لتخدير مستمر بيداري المرض بس مايعالجوش.. فيفضل ياكل في الجسم على مهله.
لو سحبنا المشهد ده بره أجواء المستشفيات وطبقناه على باقي حياتنا، هنلاقي إن الدكتور هو كل حد له سلطة اتخاذ القرار؛ إن كانت الدولة أو أي مؤسسة رسمية أو حتى العقل الجمعي للمجتمع نفسه.
والمُسَكِن، في مجال إدارة الأزمات الاجتماعية، بيبقى مغريًا للجميع، السلطة بتلاقي فيه حل سريع يحقق هدوء فوري، من غير ما يكلفها مواجهات مُعقدة أو إصلاحات هيكلية مؤلمة. والمجتمع، بيستسهل المُسَكِن لأنه بيعفيه من دفع الفواتير الاجتماعية والنفسية والأخلاقية للعلاج الحقيقي.
لإن العلاج محتاج مواجهة مع الذات، وإعادة نظر في قيم التربية والتعليم وسيادة القانون، وده مجهود تقيل ومكلف ماديا واجتماعيا وسياسيا ونفسيا. عشان كده الطرفين، السلطة والمجتمع، ماضيين مع بعض كونتراتو ضمني، مفاده الدنيا ربيع والجو بديع ناولني المُسكن وقفلي على كل المواضيع.

المجتمع جنب المُسَكِن محتاج يتعالِج
المجتمع، بطبيعته، ماهواش كتلة واحدة بتفكر بنسخ مكررة، المجتمع هو مساحة تشابك وتقاطع لاختلافات مالهاش حصر. رجال ونسوان، أغنيا وفقرا، كبار وصغيرين، ثقافات، مهن، ديانات.. إلخ.
والاختلافات دي مش عيب تصنيع، أو حالة طارئة محتاجة نلاقيلها حل، دي المادة الخام اللي بيتكون منها أي مجتمع. بالتالي الاحتكاك اليومي بين المكونات دي في المواصلات، والمدارس، و”في الكنايس والجوامع.. وفـ الحواري والشوارع.. و ع القهاوي وع البارات”، ده الطبيعيي للإنسان الاجتماعي.
المشكلة هي الخلط بين مفهومين مختلفين تمامًا: الاحتكاك الطبيعي بين البشر، والسلوك المؤذي اللي ممكن ينتج أثناءه. فالتحرش، والسرقة، والعنف، والتعصب، والبلطجة.. دي كلها أعراض خلل بتحصل في عملية مجتمعية طبيعية هي الاحتكاك.
والخلل ده ممكن يكون نتيجة لمجموعة أسباب منفردة أو مجتمعة؛ زي غياب الرقابة والمساءلة، تراجع سيادة القانون، انهيار المنظومة الأخلاقية والتعليمية.. إلخ.
وهنا بتقف فلسفة الإدارة/الدكتور قدام مفترق طرق: هل نعالج أصل الخلل والأسباب اللي خلت الشارع مكان مش آمن؟ ولا نختار الطريق الأسهل، ونقلل فرص الاحتكاك من الأساس؟

عربية السيدات.. وفلسفة المُسَكِن
لو خدنا “عربية السيدات” في المترو كنموذج. وبصينا للقرار في لحظته التاريخية، هنلاقيه كان إجراء وقتي منطقي لتوفير مساحة آمنة وسريعة للستات وسط الزحمة.
الإجراء المؤقت هنا هو “المُسَكِن”.. وظيفته يمنع تفاقم الأزمة، لكن مايقدرش يلعب دور “العلاج”. وهنا يفرض السؤال الفلسفي نفسه: القرار الصح في لحظته ده، إحنا اتعاملنا معاه باعتباره مُسَكِن مؤقت، واشتغلنا بالتوازي على إصلاح الشروط العامة في بقية عربيات المترو والشوارع؟ ولا اعتبرنا إن وجود عربية منفصلة هو الحل النهائي للمشكلة “العلاج”، وسيبنا بقية المساحات اللي يطول قفا أخوه يديله اللي فيه القسمة؟
هل فتحنا الجرح واشتغلنا ع القانون وتفعيله والثقافة والتعليم والتربية و.. و..؟ ولا اكتفينا بالمُسَكِن وسيبنا المرض حيٌ يرزق على جسم المجتمع وهو صاحي؟

أخطر آثار المُسَكِن
الاعتماد الكامل ع المُسكِنات له تأثير سلبي رهيب ع المريض؛ بيحصله تحديدًا حاجتان أخطر من بعض:
- المرض بيفضل يتفاقم تحت الجلد من غير ما يحس بيه.
- الجسم بيتعود ع الجرعة المُسكِنة، فيطلب جرعة أكبر وأقوى كل ما الوجع يرجع، فيبقى مدمن.
المجتمعات بقى بتدمن الحلول السهلة بنفس الطريقة وبتعاني منها بنفس الميكانيزمات. كل أزمة تظهر في أي مساحة مشتركة ينتج عنها استثناء؛ فصل أو تقسيم، بدون أي محاولة حقيقية لعلاج السبب اللي أوجدها. وبمرور الوقت الاستثناء يتحول لقاعدة، والمجتمع يفقد تدريجيًا قدرته ع التفكير في علاج حقيقي، ثم على التخطيط له أصلًا، ويبقى الحل الأقرب لذهن الجميع.. الفصل/المُسكِن.
وأخطر آثار للمُسَكِن إنه بيخفي الإحساس بالمرض؛ فيبقى عندنا مرض بس مش مزعج قوي، فيفضل ينهش في جِتة المجتمع؛ من غير وجع يستلزم التفكير في علاج.. يادوب ممكن نزود جرعة التسكين.

عندما يصبح تقليل الاحتكاك هو الحل
لو مشينا ورا المنطق ده لآخره، وفردنا الخط على استقامته، هنوصل لنتايج عبثية جدًا. فلو: كل احتكاك مجتمعي طبيعي هيفرز أزمة، يكون حلها تقليل مساحة الاحتكاك بدل علاج سبب الأزمة، فعربية السيدات مش هتكون النهاية، هنبقى عايزين عربية للمحجبات وغيرها للي بشعرهم عربية للمسيحيات وغيرها للمسلمات.. إلخ.
كل ده وإحنا لسه في الستات بس، لسه ما دخلناش ع الرجالة والعيال الصغيرة، والمنطق ثابت كل فئة ليها عربيتها عشان مش عايزين نَوَش هنا؛ عربية للموظفين، وعربية للعمال، وعربية للفلاحين، وأكيد عربية فئات، وكل تقسيم من دول هيكشف اختلافات أصغر جواه، فندخل في دورة تقسيم بلا نهاية. لأن كل معيار للفصل قادر ع الانقسام، وإنتاج معايير أصغر بلا نهاية. في اللحظة دي، المهندس اللي بيصمم خط مترو، هيكتشف إنه واقف قصاد خريطة لتآكل المساحات المشتركة في المجتمع.
أقرأ أيضًا.. كرسي في الكلوت
من المترو إلى المجتمع كله
والقصة، طبعًا، مابتقفش عند المترو ولا المواصلات في العموم. أول ما المنطق ده يتحول لفلسفة عامة، يبدأ يتسلل بهدوء إلى كل مؤسسات المجتمع. نشوفه بقى في حضانات بتحفظ قرآن، ومدارس بنين وبنات، وجامعات دينية مذهبية، ثم أحياء سكنية ليها سور وبوابة بتفتح بالبار كوود، وفي النوادي، “وع القهاوي وع البارات”.
حتى في الرياضة والثقافة، لما تحصل كارثة، زي اللي حصل في ستاد بورسعيد، لحظتها منع الجمهور إجراء أمني وقتي ضروري. بس لما الإجراء المؤقت يتحول لمنع شبه دايم، بنكون قدام الفلسفة نفسها: بدل ما نعالج أسباب العجز عن تنظيم حضور الجمهور بأمان، بنلغي الجمهور نفسه من المعادلة.
ومنع الجمهور وعربية السيدات مش ظاهرة جديدة، التعدي على الكنايس اللي ظهر أواخر التمانينيات مانتجش عنه تنقيح للمناهج وإعادة النظر في إدارة الخطاب الديني والإعلامي والثقافي، فقط تم تثبيت وحدات تأمين قصاد الكنايس.. وبعض الشوارع أتقفلت في وش العربيات وخرجت بره الخدمة أصلًا، وبدون ما حد يبلغ الـGPS عشان يبطل يقترحها علينا.
الهدف مش محاكمة كل حالة أو حسم إذا كان القرار صح أو غلط في لحظته، الهدف طرح سؤال مهم: هل إحنا بنبني مجتمع قادر على إدارة الاختلاف جوه مساحاته المشتركة، ولا بنفككه بالتدريج كل ما نواجه أزمة؟
المجتمعات مابتتفتتش بقرار واحد، ولا بضربة قاضية. ده بيحصل بالتدريج؛ بخسارة مساحة مشتركة بعد كل أزمة.. لغاية ما يتحول العزل من استثناء إلى أسلوب حياة. وبرضه مابتتماسكش بالأغاني واللقاءات المُهندسة.

سِكّْتين لبُنا المجتمعات
كل مجتمع قابل لحظات من النوع ده؛ أول ما تظهر أزمة بين مجموعتين مختلفتين، بيبقى قدامه سؤال واحد: هل نصلح القواعد اللي خلت الأزمة تحصل؟ ولا نقلل فرص إن المجموعتين يقابلوا بعض أصلًا؟، وكل المجتمعات كانت محتاجة لقرارات استثنائية فورية.
بس فيه مجتمعات استثمرت في توسيع المدرسة العامة، والشارع العام، والمواصلات العامة، وترسيخ مفهوم احترام “الفضاء العام“، لأنها كانت شايفة إن العلاج الحقيقي هو جعل المساحات المشتركة آمنة أكتر.
وفيه مجتمعات استثمرت في توسيع الاستثناء، وكل استثناء ينتج مساحة معزولة، لحد ما بقت المؤسسات نفسها نسخة من الانقسامات الموجودة في المجتمع، واللي اتعمل لها مصطلح سياسي خاص بيها اسمه “المحاصصة“.
والمقارنة هنا مش أخلاقية، ولا انحياز لطريق على حساب التاني، قد ما هي مقارنة بين فلسفتين في البقاء: مجتمعات بتكبر كل ما وَسّعِت مساحاتها المشتركة، ومجتمعات بتتآكل كل ما وَسّعِت مناطق العزل، واعتمدت على المسكنات وحدها لا شريك لها.
يعني إيه مجتمع؟
وده ياخدنا للسؤال أعمق: هو يعني إيه “مجتمع” أساسًا؟
لما بنقول إننا بنحمي المجتمع وبنحافظ على أمنه؟ بنكون نقصد حماية إيه بالظبط؟
لو رجعنا للسان العرب في جِذر كلمة (جـ مـ ع)، هنلاقي إن المعاني كلها بتدور حوالين الضم، والائتلاف، والاجتماع، وإن الاجتماع هو نقيض الفرقة والتشتت.
ولو دورنا على تعريف مصطلح “مجتمع” طبقًا لعلم الاجتماع الحديث، هنلاقي إن المجتمع مش مجرد مجاميع من البشر عايشين بالصدفة جوه في جغرافيا واحدة، إنما باقي التعريف إن يكون بينهم شبكة متصلة من العلاقات، والتفاعلات، والمؤسسات، والقواعد المشتركة، بتنظم الاختلاف، وتسمح بالعيش المتكافئ.
تعريفات أولية بتحطنا قصاد مفارقة عبثية عايشينها دلوقتي. فلو كل حلولنا الإدارية والاجتماعية بقت تعتمد على تقليل فرص التلاقي والاحتكاك بين الناس، وتقليص شبكات التفاعل، وإلغاء ما يمكن إلغاءه من المساحات المشتركة، وتقسيم الفضاء العام لمناطق مفصولة عن بعضها. نبقى إحنا كده بنحاول نحافظ عليه إيه؟
هل إحنا كده بنحمي المجتمع فعلًا، ولا بدون قصد، بنفرغه تدريجيًا من المعنى اللي يخليه “مجتمع” أصلًا؟

الخاتمة
المجتمع مابيفضلش عايش عشان أفراده نُسخ من بعض، ولا لأنه نجح في عزل كل فئة في كيس لوحدها في الفريزر عشان مايكرفوش على بعض. المجتمع بيبقى مجتمع لأنه، مرة بعد مرة، بيصلح الشروط والقواعد اللي بتخلي اختلاف أفراده قابل للتعايش الآمِن، فبمرور الوقت يبقى خلاق.
المُسَكِنات مُمكِن تشتري وقت، وأكيد هتريح الأعصاب ليلة أو ليلتين، بس ماتنفعش تبقى أرضية يتبني عليها مستقبل أمة ولا تقدر تحميها من المرض.. لإن دي مش شغلتها أساسًا.
وقبل ما نصقف لأي قرار جديد بيبعد الناس عن بعضها، أو نقترحُه إحنا نفسنا باستسهال؛ تحت شعار الحماية أو التنظيم، محتاجين نسأل نفسنا:
هل القرار ده بيعالج السبب الجذري اللي جعل الاحتكاك يتحول لأذى؟ ولا ده مجرد مُسَكِن بيداري أعراض مرض كلنا خايف يواجهه ويدفع فاتورة علاجه؟
والسؤال ده مش رفاهية، لإن زي ما قلنا من شوية: المجتمعات مابتموتش بضربة قاضية.. بتموت لما بتخسر تدريجيا ومع كل أزمة مساحة مشتركة جديدة.
Author
ما هو انطباعك؟








