0 مشاهدة
عمرو دياب ودوريان جراي: حين تشيخ الموسيقى ويبقى الوجه شابًا

Author
Author
في العقدين الأخيرين، تحول مشروع عمرو دياب من كونه تجربة غنائية رائدة إلى مشروع بناء الأيقونة التجارية، صار فيه الحفاظ على صورة النجم الخالد والشاب دائمًا هي الأولوية القصوى والمحرك الفعلي لكل اختياراته الفنية،الصورة لم تعد مجرد مظهر خارجي بل تحولت إلى عقيدة بصرية طغت على التعبير الإنساني التلقائي وخلقت مسافة باردة بين الإنسان الذي يعيش مراحل العمر وبين الهضبة الذي يصدر نفسه كعلامة تجارية عابرة للزمن.
المفارقة أن هذه العقيدة لم تبن بين ليلة وضحاها، بل كانت نتاج مسار طويل من القرارات المتراكمة، بعضها فني وبعضها إعلامي تجاري بحت، شكلت الشخصية التي نراها اليوم، صورة لا تتغير تطل عليها كل صيف بنفس النضارة والحيوية بينما تتغير من حولها كل تفاصيل المشهد الغنائي العربي.
الفن في مواجهة الزمن
على المستوى الرمزي يتبادر إلى الذهن فورًا اسم “دوريان جراي” بطل رواية أوسكار وايلد الخالدة الذي عقد مقايضة ليبقى مظهره الخارجي فتيًا ومنزهًا عن العطب، بينما تترك الخطايا والسنوات أثرها على بورتريه مخفي له، في حالة عمرو دياب يبدو أن البورتريه هو المحتوى الفني نفسه،حيث يزداد النجم لمعانًا ولياقة وشبابًا في كل ظهور، بينما تزداد الموسيقى تنميطًا وتحصر في قوالب سمعية اّمنة ومكررة لا تجرؤ على ملامسة الانكسارات الإنسانية العميقة أو تجاعيد الروح التي تأتي مع النضج.
لقد أصبح المظهر الخارجي هو المتن الأساسي، بينما الموسيقى مجرد هامشًا يؤكد استمرارية هذا المظهر، والأمر لا يخضع للصدفه بل نتيجة منطقية لعقود بنى فيها صورة ذهنية يراد بها أن تبقى فوق منطق الزمن حتى لو كان الثمن أن يتحول الفن إلى مجرد وسيلة لتثبيت تلك الصورة.
الطريف أن هذه العقيدة البصرية لم تكن حاضرة في بدايات عمرو دياب، لو عدنا بالذاكرة إلى أول ظهور تليفزيوني له، كان شابًا خجولًا مترددًا، بالكاد يعرف كيف يصوغ جملة كاملة أمام الكاميرا، يقدم نفسه بوصفه طالبًا في المعهد العالي للموسيقى لا أكثر، لم تكن هناك بعد أي أسطورة، ولا أي حرص على صورة بعينها، كان مجرد صوت جديد يبحث عن موقع في مشهد تهمين على أسماء جيل الوسط.
الانعطافة الحقيقية جاءت مع تعاونه مع حميد الشاعري وشريط “ميال” في أواخر الثمانينات، حيث صنع لنفسه جمهورًا خاصًا للمرة الأولى، وتحول من اسم بين أسماء عديدة في مشهد البوب المصري إلى ظاهرة قائمة بذاتها، هذا الصعود السريع لم يمر دون مقاومة، فقد واجه هجومًا شرسًا من صحافة الجيل القديم تجلى بوضوح في حواره الشهير مع الإعلامي مفيد فوزي الذي حاول الإيقاع به في فخ تصريحات تدينه عبر مقارنته بموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، وكان الرد هادئًا لافتًا لا يخلو من ذكاء وخبث فطري.
الأهم من ذلك أن عمرو دياب نفسه أقر مبكرًا، وبصراحة نادرة بأن معادلة نجاحه لا تقوم بالضرورة على القيمة الفنية الخالصة، حيث صرح في حوار شهير مع عماد أديب بأن “صوته ضعيف ويغني وحش وعلى قده بس ناجح” هذا الاعتراف المبكر وأن بدا وقتها مجرد رد ذكي على خصومه أو قصف جبهة، حمل بذرة كل ما جاء لاحقًا، وهو التأسيس لمبدأ أن النجاح الجماهيري قيمة مستقلة بذاتها، لا تشترط بالضرورة قيمة فنية عالية، بل ترتبط بالقدرة على الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الجمهور والبقاء في موقع الصدارة مهما تغيرت الأذواق والأجيال.

كيف وُلدت الأسطورة
مع دخول عمرو دياب حقبة “نور العين” و تربعه على قمة سوق الغناء العربي، بدأت ملامح استراتيجية جديدة تتشكل، لم تتعلق بالموسيقى قدر تعلقها بإدارة الصورة العامة، فبعد أزمات متكررة من بينها اتهامات بشراء جوائز وهمية وإلغاء حفل تسليمها وتصريحات مثيرة للجدل طالت رموزًا كبيرة في تاريخ الأغنية العربية، جاءت النصيحة من محسن جابر بأن يغلق فمه ويتجنب الظهور الإعلامي قدر الإمكان.
هذه النصيحة التي بدت حينها مجرد مناورة لتفادي المشاكل، تحولت بمرور الوقت إلى حجر الأساس في بناء الهالة التي أحاطت باسم عمرو دياب لثلاثة عقود كاملة، فكلما قل ظهوره الإعلامي كلما زاد التشويق حوله وتحولت كل تفصيلة بداية من غلاف الألبوم ونوع الملابس التي سوف يظهر بها، أي أغنية سوف يقوم بتصويرها من هي الفتاة التي ظهرت معه في الكليب الأخير إلى حدث جماهيري بحد ذاته.
بمعنى أخر الصمت لم يكن غيابًا بل كل أداة صناعة حضور من نوع مختلف، أشبه بـ دوريان جراي والبورتريه المخفي في غرفة مغلقة كي لا يراه أحد، بينما الوجه الظاهر للعالم نظيفًا لامعًا لا تشوبه شائبة،هذه الاستراتيجية اثبتت نجاحها بشكل خاص بعد ثورة يناير، حيث شهد المشهد الغنائي المصري اضطرابًا كبيرًا، واختفى كثير من نجوم جيله واحدًا تلو الأخر، بينما ظل هو الوحيد الصامد في موقعه، متجنبًا الانخراط في أي جدل سياسي أو اجتماعي، مركزًا كل طاقته على إدارة المشروع ومستبدلًا فريق عمله بالكامل كلما دعت الحاجة دون أن يلتفت كثيرًا لردود فعل من استبعدهم مما جعل الكل يتحدث عن ذكاء عمرو دياب الذي طغى على أي نقاش اّخر يخص ما يقدمه من فن فعليًا،
صنم الشاب وضريبة الخلود
يظهر إصرار عمرو المستمر على ترسيخ صورة الشباب الأبدي، لكن هذا الإصرار يفرض رقابة على تلقائيته الفنية، حيث تحول إلى قناع مصطنع يقاوم حتمية الشيخوخة وعدم الانغماس في الألم الإنساني الحقيقي أو إظهار الضعف أو كشف هشاشته أمام الجمهور، هذا الإصرار أشبه بالتحنيط الجمالي حيث تجمد الصورة في زمن لا يتأثر بالمتغيرات الطبيعية للحياة ونجح ببراعة في فصل “عمرو النجم” عن “عمرو الإنسان” حيث أصبح تجسيدًا لصورته الثابتة على أغلفة الألبومات، أيقونة لا تتغير ولا تخضع لعوامل الزمن أو تقلباته، وبرغم أن هذا الانفصال فسره البعض على أنه نجاح واستمرارية وذكاء لكنه افقده جزءًا من حرارته الإنسانية وجعله يبدو بمعزل عن نبض المجتمع حيث لا يبدي تأثرًا بالأحداث الاجتماعية أو السياسية الجارية مفضلًا النأي بنفسه عن الانخراط فيها أو توظيف نجوميته الطاغية لإحداث تأثير ملموس في المشهد وهو ما يثير تساؤلات حول الثمن الحقيقي لهذا الخلود المصطنع.
حين تشيخ الموسيقى بدلًا من الوجه
إذا كان الوجه لا يشيخ فأين يذهب أثر الزمن إذن؟ الإجابة تكمن في المنتج الفني الذي يقدمه، حيث تحولت اّلية إنتاج الألبوم الصيفي السنوي إلى طقس ثابت لا يتغير، تكشف عن بورتريه مختلف يحمل كل علامات التاّكل، مفردات متكررة يعاد تدويرها في قوالب لحنية قديمة بحلة جديدة، وتوزيع موسيقي تسلل إليه الذكاء الإصطناعي حيث أصبح من الصعب تمييز صاحبه لفرط التزامه بالمشروع الديابي وتحول في النهاية إلى منتجًا بلاستيكيًا لامعًا من الخارج يفتقد البصمة الإنسانية التي تمنحها روحًا،أما الجمهور في غمرة انشغاله بالحدث السنوي وهالة النجم لا يبدو معنيًا كثيرًا بتلك الأمور، طالما الأغنية تعجبه وتلائم خوارزميات الاستماع التي شكلت ذائقته اصلًا، ويفصح أن اختيارات عمرو دياب لا تخضع لقرار جمالي شخصي، بل موقف فلسفي يشرح العلاقة بين الفن والزمن، موقف يرى أن “الصلاحية للاستهلاك” أهم من “القدرة على الصدق”، وأن بقاء الاسم في القمة أهم من صدق اللحظة الفنية التي يقدَّم فيها.
ألبوم حبيتك : عمرو دياب بين ظاهرة النجومية وأسئلة الجودة الفنية
مقايضة لا تنتهي
يعيد مشروع عمرو دياب إنتاج مفارقة دوريان جراي في قلب المشهد الغنائي العربي، حيث الهوس بتجميد الزمن و تضع الأسطورة فوق الفن، مقايضة وجودية اختزل فيها الهضبة تجربته لتصبح درعًا يحمي صورة تأبي الشيخوخة مفضلًا البقاء على القمة كإنجاز زمني محض على حساب القيمة الفنية المتجددة، تحول عمرو إلى حارس لصورته الخاصة يخشى عليها من أُثر الزمن أكثر مما يخشى على عمق أثره الإبداعي وأن استمرارية الأسم غاية في حد ذاتها بصرف النظر عما إذا كانت تلك الاستمرارية تخدم الفن عمومًا أم تخدم اسطورة الشخص الذي يرفض أن يشيخ.
أصبح عمرو أول تجربة عربية ناجحة فصلت بين الفنان والإنسان لكنها في المقابل أفرغت التجربة الفنية تدريجيًا وباعدت المسافة بينه وبين جمهوره الأصلي لحساب جمهور جديد لا يخضع لقواعد محددة في صناعة النجم بل يخضع لسيطرة خوارزميات التواصل الإجتماعي وهو مأزق النجومية في عصر الصورة الرقمية حيث لا يمثل الهضبة استثناءًا بل كونه النموذج الأكثر صراحة لأزمة صناعة النجومية حيث يكافئ السوق الصورة الثابتة ويقصي الحقيقة المتغيرة وكلما زادت القدرة على تحسين المظهر واخفاء الندوب إزداد الإغراء بالانزلاق إلى هذه المقايضة الخطرة حيث يحل الكمال الشكلي محل العمق الوجداني.

وفي النهاية يظل الثمن الحقيقي للخلود الشكلي هو فقدان القدرة على ملامسة جوهر التجربة الصادقة ليصبح الفنان مجرد واجهة براقة تخفي خلفها بورتريها يشيخ وحيدًا في غرفة مظلمة من النسيان الإبداعي.
Author
ما هو انطباعك؟








