0 مشاهدة
حلم وليد.. أو المركزية العربية

Author
Author
“نوال” قاعدة بتحاول تفوق من آثار النوم وحلم ليلة أمبارح، و”وليد” راجع من المطبخ عامل إتنين شاي لزوم الفوقان؛ حط الصينية ع الترابيزة وقعد جنبهاو بدء فورًا يحكي في حلمه: حلمت خير اللهم اجعله خير أني باتفرج على ماتش في القهوة.
ماتش السعودية مع كاب فيردي والقهوة زحمة، ومُذيع “بي إن” بيصرخ مع كل هجمة؛ لو للسعودية عايز ربنا يوفق ولو لكاب فيردي عايزه يستر. وأنا قاعد بتابع بتوتر وحماس مايقلوش عن بتوع المذيع. جنبي زبون أفريقي من اللي بيدرسوا في الأزهر دول، مستغرب تشجيعي للسعودية، فقلت له ببديهية: «طبعًا يا جدع.. دول عرب زيينا»، فجأة زبون تاني شكله خليجي اتدخل في الكلام؛ وسألني بكل هدوء وبدون أي تعالي: «هو أنت عربي على أساس إيه؟».
سمعتلك يا “نوال” السؤال ده من هنا ودماغي أتشقلبت من هنا؛ الدوشة خَفِت جامد كأن حد معاه ريموت عمومي ووطى الصوت، فضل الصوت يوطى لحد ما بقيت شايف الشاشة والقهوة والزباين والماتش.. بس كل ده “سايلنت”.
ودماغي جابت القديم والجديد من ساعة الفرح؛ إزاي المعيار بيتولد عشان يحل مشكلة وبعدين يبقى مرجعية والمرجعية تبقى مركزية ولما الناس تتعود تنسى إن المعيار كان مجرد «حل» وتعامله على إنه الـ«طبيعي». بس المرادي حسيت إن المعيار وصل لمنطقة إنه يحدد هوية الناس؟
الشاشة بقت تكبر وهوب الملعب نفسه خرج براها وبلع القهوة، والخطوط البيضاء بقت توسع أكتر وأكتر والملعب مابقاش مجرد مستطيل أخضر في ستاد، بقى يتتمد لحد ما غطا صحاري وجبال وبحار.. قرى ومدن وبلاد. فضل الوضع بالشكل ده لغاية ما الملعب بقى رقعة كبيرة من خريطة العالم كله.

الفريق أصغر من الملعب
ظهرت الدهشة على ملامح “نوال”، فابتسم “وليد” وهو بياخد شفطة من كوباية الشاي: أنتي لسه شوفتي حاجة.
بقيت شايف اللحظة الأولى لماتش لسه بيبدأ؛ الملعب نُص خريطة العالم القديم.. في الحتة بتاعت شبه الجزيرة ظهر فريق عربي لابسين طقم كورة شبه بتوع التلاتينات، فانلات ياقتها لحد الكتف وشورتات فَشَر بنطلون “الريس حنفي” في “ابن حميدو”.
الملعب مليان جماهير وحكام ولعيبة؛ كل حد لابس هدوم حضارة من الحضارات القديمة في المنطقة ولعيبتهم شكلهم أحرف وأمهر من لعيبة العرب. شوفت لعيب من حضارة تانية نزل أرض الملعب؛ لابس قميص “أشيك” وطريقة جريه مختلفة، بس اللعيبة العرب أتحركوا بشكل مختلف عن كل لعيبة الكورة وغيروا خطوط الملعب نفسها.. عشان بعد حركتين تلاتة يبقوا عاملين دايرة استوعبت اللعيب المختلف وسطهم، عشان يلاقي نفسه بيلعب بطريقته بس لصالح الفريق العربي.

انضباط لسان الملعب
فرد “وليد” رجليه ع التربيزة اللي قصاده وهو بيكمل حكايته لحلمه: فجأة يا بنتي لا بقى فيه ملعب ولا كورة ولا أي حاجة من دي، بقيت في شوارع “البصرة” القديمة وشايف قدام مني “أبو الأسود الدؤلي” واقف يسمع واحد بيقرا قرآن ومصدوم من الأخطاء النحوية اللي في قرايته، واللي بتغير معاني الآيات.
سألته: مالك؟
قاللي: لو اللسان اتفك، المعيار هينهار.
مشيت معاه شوية لقينا الفارسي “سيبويه” قاعد يصيغ قواعد النحو، ومعه علماء وفلاسفة وإداريين من خلفيات أثنية وثقافية متعددة. ولما سألته: مين دول؟
قالي: دول «النجارين الجدد» اللي ماكتفوش باستهلاك الكتالوج، وشاركوا في إعادة ترميمه وصياغته وتثبيته. بس عارفة اللي ضحكني؛ إنه قالي النجاريين الجدد دول مكتوب عنهم في موقع ألكتروني اسمه “الميزان“.

صياغة الكتالوج
بقيت شايف المخطوطات والكتب والمجلدات طايرة في الهوا وبتتجمع سوا. المعايير اللي سلوكيات بقت بتتثبت في ملفات جوه دواوين ومؤسسات. لحد ما الكتالوج اتكتب وبقى مرجعية شاملة بتنظم اللغة، الإدارة، العمارة، وحتى ذوق اللِبس.. وكل ده في ظِل سلطة الدين.
شوفت الكتالوج بعد ما اتكتب بيتنسخ ويتوزع ع المدارس، والجوامع، والدواوين، من أول دمشق وبغداد لغاية القاهرة وحتى قرطبة. المرجعية مابقتش مجرد رأي أو اختيار، بقت «المركزية» اللي الكل يقيس على أساسها أفعاله ويحدد موقعه من العالم.
فجأة سمعت صفارة حكم كورة.. ببص ناحية الصوت لقيت في وسط سوق المدينة واحد لابس هدوم حكم كورة ورافع كارت أحمر لواحد من أهل المدينة والراجل بيحتج، والجمهور مقسوم، ومع الخناق والاحتجاج القواعد بتتغير.. وحدود الملعب نفسها بتظهر من جديد وبتتغير بشكل سريع.
وفي وسط الناس شوفت الزبون الخليجي والزبون الأفريقي؛ وناس تانية من زباين القهوة، واقفين جوه نفس الملعب الممتد. كلهم بيلعبوا بنفس الكتالوج، وبيتكلموا نفس اللسان، رغم إن جيناتهم وأشكالهم مختلفة تمامًا.
وهوب لقيت شبكة خطوط ملونة ممتدة من مسافات وأزمان بعيدة وبتتجمع كلها وتدخل مباشرة جوه شاشة التلفزيون المفتوحة في القهوة على ماتش السعودية وكاب فيردي.

ملعب ثيسيوس
“وليد” قاعد في البلكونة و”نوال” جايبة كوبايتين عصير وقعدت جنبه تسأله: وبعدين؟
وليد خد نفس وكمل بحماس: بقيت شايف ملعب الماتش أرضيته بتتغير، والجمهور بيتغير، حتى الأعلام واللعيبة بيتغيروا، بس الناس بتتفرج وكإنها بتتابع نفس الماتش؟!
فلما صحيت فهمت إن المرجعية لما بتحول لمركزية، بتعيد إنتاج نفسها جوه الأجيال الجديدة من خلال الحدوتة المشتركة؛ اللي هي نفسها بتتغير مع الوقت.
المهم يا ستي بقيت قاعد تاني في القهوة وباتفرج ع الماتش بنفس الحماس والانحياز، وجنبي الزبون الخليجي قاعد جنبي بيبصلي وكإنه سأل سؤاله يادوب من لحظة ومستني إجابته. لقيت نفسي مش مرتبك زي أول مرة وبابتسم بهدوء وأنا باقوله: إن انحيازي مش مبني على جينات ولا أثنية ولا حتى اللغة، بس برضه مش انحياز أعمى، ده انحياز أتبنى على أساس شبكة مرجعية كونت كتالوج بيكون مشاعري وإدراكي.

الختام
سكتنا شوية إحنا التلاتة، وحتى لما المذيع لما صرخ زي عادته مالتفتناش للشاشة، وماكسرش الصمت ده غير الزبون الخليجي وهو بيقول: بس أنت عارف إنك مش عربي.
فهزيت دماغي إنه “أه”. فرد الزبون الأفريقي: وإنك لو عيشت أيامها وارد جدًا تكون مستعبد عند سيد عربي. فهزيت دماغي بنفس الطريقة.
ولسه هافتح بؤي وأقول حاجة.. صحيت على صوت شهقتك وأنتي بتصحي.
ابتسمت “نوال” وهي بتسأل بصوت عالي بس كإنها بتكلم نفسها: تفتكر ممكن كتالوج كبير يتكتب من غير إمبراطورية؟ ومن غير غزو للبلاد وفتح للمجال العام؟ ولا لازم المركزية الكبرى تتبني بالشكل ده؟
الحلقات السابقة
(1-10) المعيار.. كتالوج البشرية
(2-10) آلة الزمن ورحلة البحث عن مؤلف
(3-10) مركزيات كبرى ولا طائر وقواق حضاري؟
(4-10) حلم نوال أو المركزية الأوروبية
Author
ما هو انطباعك؟








