رئيسة التحرير
رشا الشامي
همتك نعدل الكفة
0   مشاهدة  

حلم نوال أو المركزية الأوروبية (4-10)

الأوروبية

Author

  • شاعر عامية وقاص مصري مهتم بالشأن النوبي ونقد الخطاب الديني

Author

  • شاعر عامية وقاص مصري مهتم بالشأن النوبي ونقد الخطاب الديني



فتحت “نوال” عينيها، على دوشة عجيبة، وأول حاجة لفتت نظرها إنها مالقيتش السقف الأبيض ولا الأباليك اللي جابتهم مع أمها من الرويعي. بصت حواليها لقيت نفسها واقفة في نص الشارع، والدوشة دي كوكتيل من أصوات ناس وبهايم. كل حاجة حواليها شكلها طبيعية جدًا.. بس بالنسبة لمدينة أوروبية قديمة؟!

ومافيش أوضة نوم ولا شقة ولا “وليد”، وهي كل اللي قادرة تفتكره إن ليلة الدخلة باظت، بسبب “وليد” اللي سهر يتكلم عن المركزية وماسكتش غير لما هددته بالطلاق.

الشاهدة

“نوال” واقفة على طرف الرصيف في مدينة أوروبية قديمة، هدوم الناس غريبة.. منفوشة وتقيلة، بس ماحدش من اللي جواها مستغرب.

جنبها ع الرصيف، اتنين تجار ماسكين خشب وبيحاولوا يقيسوها بحبل جلد؛ وهمه بيجعروا في وش بعض:

  • “القصبة” دي ناقص صباعين يا معلم، مستحيل دي تبقى قد قدم رجل 16 راجل.
  • “قصبة” إيه يا ابن الحلال؟ الحبل بتاعي ده مظبوط على “الإيلي الفرانكفورتي“.
  • فرانكفورتك على نفسك؟ إحنا حدانا بنجيب ستاشر راجل خارجين من الكنيسة ونقيس طول رجلهم الشمال.. فتبقى القصبة كلها بركة.
  • طب ما تشتري من بلدكم وماتقرفناش معاك.

هربت “نوال” من هذا الحوار الغرائبي بحثًا عن أي برُبع جنيه منطق.. أو أي حاجة تعرفها جرى إيه للعالم. مشيت شوية في السوق فشافت خريطة متعلقة على باب خشب كبير مكتوب عليه “مقر الحاكم” وعلى يمينه وشماله واقف جوز حَرَس ضخام ولابسين شبه جوكر الكوتشينة.

بس أكتر حاجة لفتت نظرها في السيرك ده إن الخريطة شكلها يلخبط؛ آسيا متشعبطة فوق والحاجات سايحة في بعضيها.. وحاجة أخر زغللة. ولما سألت واحد من جوكرين الكوتشينة:

  • “هي الخريطة دي عاملة كده ليه؟”.

بصلها باندهاش ورد عليها بخشونة:

  • “أومال هيبقى شكلها إزاي؟ ومالك أنتي يا حُرمة بالخرايط والعِلم”.

هنا لاحظت “نوال” لأول مرة إنها السِت الوحيدة اللي ماشية في وسط الشارع؛ صحيح السوق فيه نسوان تانية.. بس كلهم يا بياعات في السوق يا ماشيين على جنب وباصيين في الأرض وبيتحركوا بسرعة، بس قبل ما تستوعب هو إيه اللي بيحصل غطى الضباب السوق كله بسرعة رهيبة.

الأوروبية
خريطة “هيرفورد موندي” – من أقدم الخرايط الجدارية الباقية في العالم – صُنعت في إنجلترا حوالي عام 1300

سوق المينا

لما انكشف الضباب كانت نوال واقفة على مينا بحري ضخم في زمن تاني خالص، بس برضه قديم.

المينا فيه سفن كتير وأحجامها متفاوتة بس كلها بشراع، وحركة شحن وتفريغ البضايع شغالة الله ينور، صناديق توابل، سبايك دهب، تُحف من بلاد مختلفة.. وشوش أفريقي وسجاد إيراني، أتواب حرير هندي. ووسط كل ده “نوال” بتتمشى بهدوء بين عمال وبحارة وتجار، ومن جواها بطلت تحاول تستوعب اللي بيحصلها قد ما بتحاول تفهم الواقع الجديد اللي بقت موجودة فيه.

مينا وسوق في نفس الوقت، كل مركز في البيع والشرا الأرباح والخساير… البيزنيس، لدرجة إنها في خلال أقل من عشر خطوات كان فيه كذا حد بيعرض عليها شغل، من أول التغليف لحد تشوين البضايع في المخازن، ومن بيع الأكل للبحارة والعمال لحد بيع الهوى لنفس الزباين، الحاجة الوحيدة اللي ماحدش عرضها عليها.. إنها تشتغل على مركب.

في اللحظة دي، نوال حطت إيدها في وسطها، وعقلها رشق فيه سؤالين: ليه ماحدش عرض عليه تشتغل على أي سفينة؟ وإشمعنى أوروبا هي اللي حصل فيها الفوران ده كله؟ ليه أهلها همّه اللي خرجوا بره حدودهم وقلبوا الكوكب؟

وأول ما لقت نفسها قصاد قبطان؛ عرضت عليه فورًا تشتغل معاه أي حاجة ع السفينة، تنضف وتحضر أكل وترتب أوض البحارة، عشان يبصلها بذهول شديد.. وفورًا بدل ما يرد عليها؛ المشهد بدأ يتكسر ويتفكك حواليهم زي المكعبات حتى القبطان نفسه أتفكك. وكان أخر حاجة شافتها إن فيه خيوط بتحرك كل السفن وصناديق البضايع.. والموج.

الأوروبية
رسمة لميناء أوروبي تخيلي بواسطة AI

ما وراء السفن

“نوال” جريت ورا الخيوط لغاية ما وصلت لعمق المدينة، مابقتش شايف البحر، بقت وسط مباني كتير؛ أشي وِرَش ضخمة مليانة ستات وعيال صغيرة بيصنعوا لوازم السفن ويخيطوا هدوم البحارة. وأشي بنوك ومؤسسات مالية بتدعم التجار وتقدم قروض. ومطابع بتطبع خرايط وكتب ملاحة وتجارة.

مشيت شوية كمان لقت دخلت مبنى مجاور لقيت جامعات وعُلما قاعدين في حلقات مع بعض، شافت كمان ورش صغيرة فيها واحد ولا إتنين بيشتغلوا سوا على تطوير بوصلات ومناظير وأدوات قياس أدق.

“نوال” لاحظت إن الناس دي مش كلهم من أهل المدينة، فيهم اللي جاي من (إسبانيا، إنجلترا، فرنسا، هولندا..)؛ ورغم تعاملهم مع بعض بس واضح إن بينهم تنافس شرس كل واحد عايز دولته تسبق الباقيين، أو ع الأقل خايف إن غيره يسبقه. مين عنده أكبر تجارة مين عنده أحسن بضايع مين يعمل أدق بوصلة أو أقوى منظار أو أوضح خريطة.. إلخ.

وهنا بدأت إجابة سؤالها تكتمل بصورة عملية؛ القوة الأوروبية ماكانتش مجرد سفينة عسكرية جبارة ولا بندقية بارود بتقتل من بعيد؛ القوة شبكة مصالح كاملة.. سوق بيمول الورش والمعرفة.. والإتنين يطوروا التقنية.. والتقنية توسع التجارة.. والتجارة بتقوي الدولة.. والدولة بتحمي السوق. دورة تطوير معتمدة على بعضها ومابتوقفش، دورة خلتهم يمتلكوا الأدوات المناسبة في اللحظة المناسبة.

بس لما همه عندهم كل ده.. خرجوا بره حدودهم ليه؟

الأوروبية
رسمة بواسطة AI

كتالوج توزيع الأدوار

سرحت “نوال” في إجابة سؤالها؛ واكتشفت إنها عارفة إن الأوروبيين خرجوا لأن كل دولة كانت خايفة التانية تسبقها. أي مينا المنافس يسيطر عليها معناه سوق أتقفل، كل منجم يكتشفه حد غيري معناه ثروة ضاعت. اكتشاف طريق بحري جديد معناه نفوذ اقتصادي وعسكري وسياسي.

وتدريجيا المنافسة في حد ذاتها بقت مُحرِك للتوسع. والتوسع مابيجيش بأيده فاضية ده معاه مجد وموارد أصحابها ماعندهمش لا أسلحة حديثة ولا دولة حديثة.

فاقت من سرحانها وبصت حواليها لقت نفسها صاحبة مزرعة في الكاريبي أوسع من مدد الشوف، ومش مضطرة تتحرك، لأن حواليها ناس سود منهم اللي بيزرعوا وبيحصدوا ومنهم اللي بيحملوا المحصول على عربيات كارو رايحة المينا.

ومنهم لابسين هدوم شبه بعض وبيخدموها هي وبنتين صغيرين قاعدين حواليها وبيقولولها يا ماما، “نوال” بعد ما فوتت كل ده جت عند “ماما” وأتخضت وقالت في عقل بالها:

  • مَوّْ لما يشَتَحِك منك ليها، ده أنا لسه متجوزة أمبارح؛ وقضينا الليلة كلها نتكلم في المركزيات والـ..

فجأة انتبهت “نوال” للي بيحصل، وإنها مسحولة في حلم بسبب كلامها طول الليل مع “وليد”.

بس قبل ما فكرتها الواعية ما تسحبها بره الحلم دخلت عليها واحدة من الخدم السود ومعاها صينية فضة عليها شوية جوابات كلها من أوروبا، فتحت أول ظرف لقت جواب من شركة بتشتري منها المحصول بتطلب منها تزود الإنتاج.

وتاني جواب طلع من أمها بتقولها إن خالها خطبها لواحد صحابه؛ وهيركب أول سفينة هتعدي المحيط عشان يتمموا الزفاف.

وعلى أخر الجواب تكتشف إنها في الحلم ده مش بس أم لبنتين، دي كمان أرملة غنية وخطاب كتير طمعانين يتجوزوها عشان ثروتها، والأعجب إنها “كتالوج” حياتها دي سمحلها تمتلك أرض ومحصول وفلوس وحتى بشر.. بس ماتقدرش تمتلك نفسها.

الإكراه هنا مش بالحرب ولا حتى بالقانون؛ ده بالعادات والتقاليد، وما أتفق المجتمع إنه يصح وإيه مايصحش، مزنق مجتمعي متكامل الأركان ما أنقذهاش منه غير عقلها الباطن اللي ضرب كرسي في الكلوب وخلص المشهد ده قبل ما خالها يوصل بعريس الغَفّلَة.

الأوروبية
صورة بواسطة AI

الطبيعي الجديد

رجعت “نوال” لحياة المدن، بس دي مش مدن قوي.. دي بقايا مدن، مدينة متدمرة بالكامل وهي ونسوان كتير شغالين بهمة ونشاط في تنضيف الشوارع وإعادة أحياء المدينة، وفي الخلفية صفوف من رجالة وشباب كلهم لابسين لبس الحرب بس ماحدش منهم بيساعد لإنهم مصابين ومعوقين.

كملت “نوال” في شيل الحجارة وفتح الطريق المقفولة، وفجأة طفل ماشي جنبها مسكها من طرف كُمها وسألها ببراءة:

  • “فراو-Frau” نوال.. هو مش النهارده الحَد أنتوا ليه ماخدتوش أجازة؟

ردت عليه وهي بتكمل شغل:

  • مافيش أجازة لغاية ما نبني ألمانيا.

سكت الولد لحظات وسأل بفضول أكبر:

  • هو ليه الأسبوع بيخلص السبت وبناخد الأجازة الحَد؟

ردت عليه بابتسامة تلقائية وبدون ما تفكر ثانية واحدة:

  • ده الطبيعي يا حبيبي.

حاولت ترجع تكمل شغلها بس الولد سألها باستغراب:

  • مين قال إن ده “الطبيعي”.. ويعني إيه “طبيعي” أصلا؟

نوال اتجمدت مكانها، وصوت الواد رن في ودنها زي الصدى، قبل ما تضحك ضحكة خفيفة وتقوله:

  • أسأل “ابن منظور”.

وقف الولد مدهوش و”نوال” شالت طشت مليان حجارة ومشيت بعيد.

إقرأ أيضا
الشهادة الجامعية

ماتريوشكا تحكم العالم

فجأة ماعدش فيه خراب ولا طشت ولا حجارة، حتى الواد اللي كارِف على “وليد” أختفى، والمشهد بقى قاعة واسعة وفاخمة جوه مبنى الأمم المتحدة، و”نوال” واقفة ع المنصة بوصفها وزيرة تجارة واقتصاد لدولة عظمى، فافتكرت جوكر الكوتشينة وهو بيقولها: “ومالك أنتي يا حُرمة بالخرايط والعِلم”، فمسكت نفسها من الضحك وبدأت تلقي كلمة رسمية تهاجم فيها دولة ما وبتهددها بعقوبات اقتصادية؛ لإنها مش ملتزمة بقيم الحرية والمساواة اللي أرستها المدنية الحديثة.

حاولت تعرف هي بتتكلم باسم مين؟ أو بتهاجم مين؟، بس المشهد كله بدأ يتكثف ويندمج في شبكة واحدة ضخمة؛ مدرسة.. جوه منطقها محكمة.. والمحكمة شايلة منطق الدولة.. والدولة بتحمي السوق.. والسوق بيغذي المعرفة.. والمعرفة بتعيد إنتاج المدرسة. شبكة مغلقة بتلف بشكل متسارع وبتعيد إنتاج نفسها بلا توقف.

وفجأة.. ظهرت عروسة “الماتريوشكا”، اللي “وليد” كان بيلعب بيها. بس المرة دي ماكانتش لعبة خشب على سفرة الشقة؛ العروسة كبرت جدًا والعرايس اللي جواها أكتر وأضخم كتير من بتاعت البيت، “ماتروشكا” بلعت الشوارع، والمواني، والجامعات، والبنوك، والكوكب كله.

في اللحظة دي، نوال حسيت إن المركزية الأوروبية ماكانتش مؤامرة شريرة اتطبخت في غرفة ضلمة بالليل، بس برضه ماكنتش صدفة عابرة. كانت قرارات بشرية واعية، مؤسسات، دول، أسواق، شركات، وجامعات، كل منها غذى التاني عبر الأجيال؛ لحد ما “الكتالوج” الخاص بمجتمع معين اتكتب وحل محل الكتالوجات التانية، وبقى يبدو للجميع وكأنه “الطبيعة الإنسانية نفسها”.

الأوروبية
صورة تعبيرية بالAI

النهاية

شهقت “نوال” وهي بتصحى دفعة واحدة، وقعدت سريعة ع السرير وهي بتتفس بنهجة عالية وعرقانة. “وليد” قعد جنبها فورًا، حط إيده على كتفها وهو بيحاول يهدّيها:

  • مالك؟ فيه إيه؟

ردت وهي حاطة إيدها على قلبها وبتبص حواليها في الأوضة، كإنها بتتأكد إن كل حاجة زي ما هي.

  • حلمت حلم غريب أوي يا “وليد”.. حلمت بالمركزية الأوروبية ومنطقها.

“وليد” بصلها بذهول.. وبعدها هز رأسه بهدوء وقال بنبرة كلها استغراب:

  • تصدقي وأنا كمان.

بصلته باستغراب، فكمل “وليد” بصوت واطي وهو بيعدل غطاه:

  • بس أنا حلمت بالمركزية العربية.

بصت “نوال” لعريسها بحسرة وهي بتقول:

  • بقى دي ليلة العمر؟! نسهر نتكلم في المعايير والمرجعيات وننام نحلم بالمركزيات.

روح يا شيخ ربنا ينتقم منك.

ضحكوا الإتنين ببساطة وقاموا يفطروا.

 

الحلقات السابقة

(0-10) فن صناعة الطبيعي

(1-10) المعيار.. كتالوج البشرية

(2-10) آلة الزمن ورحلة البحث عن مؤلف

(3-10) مركزيات كبرى ولا طائر وقواق حضاري؟

Author

  • الأوروبية

    شاعر عامية وقاص مصري مهتم بالشأن النوبي ونقد الخطاب الديني






ما هو انطباعك؟
أحببته
0
أحزنني
0
أعجبني
0
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0


Slide
‫إظهار التعليقات (0)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.







حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان