2 مشاهدة
البوم أحمد سعد : الموسيقى العربية .. النوايا الحسنة وحدها لا تصنع ألبومًا جيدًا

Author
Author
يبدو أن المطرب أحمد سعد قرر في الفترة الأخيرة أن يتعامل مع فكرة الألبوم باعتبارها مشروعًا متكاملًا، لا مجرد مجموعة من الأغنيات جرى جمعها تحت عنوان واحد، وهذه الفكرة من حيث المبدأ تبدو وجيهة ومغرية؛ فالألبوم الذي ينتمي إلى قالب أو شكل موسيقي واحد يفترض أن يمتلك هوية واضحة، وأن يقدم تجربة متماسكة لا تبدو وكأنها قائمة تشغيل عشوائية، غير أن المشكلة تبدأ حين تتحول وحدة الهوية إلى تشابه وتتحول الخصوصية إلى تكرار، ويصبح الالتزام بالمفهوم ذريعة للتخلي عن التنوع، وهذا تحديدًا ما يفرض نفسه عند الاستماع إلى ألبوم أطلق عليه “الموسيقى العربية” والذي يبدو في كثير من لحظاته وكأنه يكرر الأغنية ذاتها وليس لأنه يصر على تكريس هوية موسيقية متماسكة، ولم ينجح في خلق مساحات كافية للاختلاف داخل تلك الهوية.
الألبوم صدر في خمس أغنيات كتبها أمير طعيمة وأحمد حسن راؤول وخالد تاج الدين بالإضافة إلى أغنيتين كتبهما عليم وتولى الألحان مدين في أغنيتين مع وليد سعد وأحمد زعيم وإسلام رفعت أما التوزيع فكان من نصيب نادر حمدي ثلاث أغنيات وأحمد عادل أغنيتان.
الاستعانة باثنين من الموزعين كان من شأنه خلق تنوع طفيف داخل التنفيذ الموسيقي حيث لكل موزع ملامحه الخاصة، لكن النتيجة النهائية جاءت أقرب إلى توحيد الشكل اكثر من توحيد الرؤية الموسيقية، والأغنيات تتحرك داخل منطقة صوتية واحدة تقريبًا، وتستخدم نفس الأدوات، حتى أن بعض الانتقالات بينهما لم تمنح المستمع شعورًا بأنه انتقل إلى أغنية جديدة بل توحي بأنه لا يزال عالقًا في الأغنية السابقة مع تغيير طفيف في الكلمات، وكأن الألبوم قد قرر أن يختبر قدرة الجمهور على التمييز بين الأغنيات لا على الاستمتاع بالفروق بينهما.
أما فكرة طول الأغنيات فقد جرى التعامل معها كما لو كانت شهادة جودة او إعلانًا ضمنيًا عن العودة إلى زمن الأغنية المسرحية الطويلة لكن طول الأغنية لا يجعلها كلاسيكية بالضرورة، مثلما ارتداء بدلة قديمة لا يحول صاحبها تلقائيًا إلى شخص ارستقراطي، الأغنية الكلاسيكية ليست في عدد دقائقها أو في انتقالاتها اللحنية الكثيرة بل في قدرتها على بناء فكرة موسيقية ودرامية تتطور وتترك أثرًا، لا مجرد مقدمات موسيقية طويلة بلا داعي وجمل مكررة تستهلك من طاقة الأغنية.
ومن هنا يصبح عنوان الألبوم “الموسيقى العربية” سؤالًا أكثر منه إجابة، ماذا يقصد أحمد سعد بالموسيقى العربية؟ هل المقصود هو استخدام الاّلات شرقية في التنفيذ الموسيقي؟ أم الاستعانة بألحان تبدو شرقية في ظاهرها لكنها تستعيد أفكار سابقة لكبار الملحنين؟ أم أن الأمر وحده يتعلق باستخدام مقامات مثل البياتي والراست والصبا باعتبارها ختمًا جاهزًا يمنح العمل شرقيته وعروبته؟ الموسيقى العربية ليست مجموعة من الاّلات الموسيقية ترص في الخلفية ولا مقامات موسيقية تستخدم بصورة منفصلة عن السياق، ولا نغم شرقي عبارة عن قص ولصق يتم تقديمها بوصفه هوية مكتملة، الهوية الموسيقية لا تتأسس على الإعلان عن عناصرها بل على طريقة هضمها وإعادة تشكيلها داخل بناء فني واضح.
وهنا يبرز سؤال اّخر لا يمكن تجاهله : هل نسمع تنفيذا موسيقيًا حقيقيًا، أم منتجًا اّليًا شديد النظافة شديد اللمعان إلى درجة فقدان الروح فيه؟ لا يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي من عدمه، فالمسألة الأهم هي الإحساس الذي تتركه الاّلات في الأذن، العزف في لحظات كثيرة من الألبوم يبدو بلا روح وكأن الاّلات تنفذ تعليمات تقنية وأوامر مكتوبة دون أن نرى ومضة من عازف لديه خبرة، وذاكرة وحس بحيث يضيف إلي الجملة، والعازف الحقيقي لا يعزف النغمة فقط بل يضيف إليها تكنيكه الخاص وحساسيته تجاه الجملة مع حلياته المفاجأة وارتجاله المحسوب عن المسار المتوقع، أما في الألبوم فتبدو الجمل أحيانًا وكأنها خرجت من غرفة معقمة لا تسمح بدخول أي خطأ وبالتالي لا تسمح بدخول أي حياة.
تفاصيل الألبوم
“مرتاحين – كلمات : خالد تاج الدين – لحن : وليد سعد – توزيع : أحمد عادل
صياغة خالد تاج تسير في فلك القاموس العاطفي المألوف، حيث تستعيد مفردات وصور تداولتها الأغنية العاطفية مرارًا مع اعتماد واضح على المبالغات بدل من بناء صور شعرية ذات خصوصية أو جديدة باختصار الصياغة تمنحك انطباعًا بأن الأغنية تكرر احساسًا تقليديًا دون أن تمنحك فرص لإعادة اكتشافه
يتقمص وليد سعد روح بليغ حمدي في لحن أغنية “مش عوايدك” تحديدًًا في البناء اللحني للجملة الافتتاحية في الأغنية، اللحن يبدأ على مقام النهاوند ويستمر معنا في المقطع التالي، قبل أن ينتقل عند جملة السينيو الرئيسية “مشتاقين وإحنا سوا” إلى مقام الراست وهو الانتقال الأكثر حيوية وتأثيرًا في الأغنية، يليه فاصل موسيقي قصير على مقام الكرد ثم يعود اللحن إلى النهاوند الكبير في المقطع الأخير.
توزيع أحمد عادل ينحاز إلى المعالجات الكلاسيكية التقليدية التي تقوم على توحيد الخطوط اللحنية أكثر من خلق حوار هارموني متنوع بينهما، تبدأ المقدمة بجملة تتناوب عليها الاّلات من القانون إلى الناي قبل أن ينضم الكمان إلى إعادة الجملة نفسها، ثم تجتمع الاّلات في تكرارها عند القفلة دون تطوير أو تباين في نسيج الموسيقى، يبدأ أحمد سعد الغناء بأداء حر “أدليب” دون إيقاع تكتفي الاّلات خلفه بمحاكاة الجملة التي يغنيها دون أي مسار موازي أو تعليق مستقل، ويظل مقطع الراست هو الأكثر مرونة والأكثر تميزًا في الأغنية.

” والله زمان – كلمات : أمير طعيمة – لحن : أحمد زعيم – توزيع : نادر حمدي”
فكرة تقليدية أخرى من أمير طعيمة الذي دائمًا ما ينحت أسماء أغانيه من أغاني أخرى ويعيد تقديمها من جديد، الصياغة متماسكة عبرت عن الفكرة ولكن باستخدام نفس المفردات عن الغياب والشوق والليل والعذاب والجراح والويل وألف ليلة وليلة، دون تقديم صورة شعرية جديدة أو ابتكار لافت في الصياغة فقط استعادة لقاموس الغناء العاطفي التقليدي.
ارتكز لحن أحمد زعيم على مقام البياتي، مع تنويع في العُرب اللحنية فنجد عربة صبا في البداية وعربة نوا اّثر، وعلى الرغم من اجتهاده في صياغة أغنية شرقية خالصة، فإن البناء اللحني لم ينجح في إنتاج جملة موسيقية مميزة واحدة قادرة على الاستقرار في الذاكرة أو التعلق بالأذن، أما توزيع نادر حمدي فقد سار في نفس الاتجاه الكلاسيكي ، مقدمة موسيقية بسيطة ثم مساحة لغناء حر “أدليب” من أحمد سعد دون إيقاع، ثم جملة فاصل موسيقي من القانون هي الأجمل في الأغنية بل وربما في الألبوم عمومًا.

“وعدني – كلمات : عليم – لحن : مدين – توزيع : أحمد عادل”
على نفس المنوال السابق ينسج عليم فكرته بأغنية بسيطة متماسكة في فكرتها لكنها لا تقدم تجربة سرد متطور أو صور شعرية ذات ابتكار كبير وأن كان أجاد في تقطيعات وجرس المقطع الأول والذي كنت أحبذ أن يكون مقدمة أغنية أخرى مع لحن سريع راقص وليس في ألبوم يطلق عليه الموسيقى العربية.
يتسم لحن مدين بتعدد الأفكار اللحنية وتنويع في المقامات، حيث يبدأ على مقام الكرد من خلال جملة لحنية جيدة نسبيًا، قبل أن يمهد في قفلة المقطع للإنتقال إلى البياتي الذي تظهر ملامحه بوضوح في جملة السينيو غير أنه ينتقل بصورة مفاجئة و بدون سلاسة إلى مقام العجم في المقطع الأخير مع توظيف عُربة على مقام النهاوند ثم يعود إلى البياتي لينهي الأغنية، على مستوى التوزيع يستهل أحمد عادل الأغنية بمقدمة موسيقية بسيطة، يعقبها دخول إيقاع فوكس سريع يذكرنا ببعض الأغنيات الكلاسيكية القديمة، قبل أن يغير في الإيقاع في المقطع الثاني يليه تغيير ثالث في المقطع الثالث بالتزامن مع دخول الإلكتريك جيتار، ورغم أن التحولات اللحنية والإيقاعية تكشف عن رغبة في التجريب والتنويع لكنها تفتقر إلى الربط الجيد وتمنح المستمع إحساسًا بأنه أمام أغنية جديدة في كل مقطع أكثر من كونه بناء غنائي متماسك أو يمنحه مسار لحني و توزيعي واضح.

“اطمن – كلمات : أحمد حسن راؤول – لحن :مدين – توزيع : نادر حمدي”
لا أعرف ماذا كان يقصد أحمد حسن راؤول بفكرة الأغنية التي تظهر من عنوانها أنه يقوم بتطمين المحبوب أنه لم ينساه ويعاني في بعده ويستمر في سرد معاناته في وقت هو الذي يحتاج إلى الاطمئنان وليس الحبيب الغائب غير المبالي، لكن على كل حال تلك اّفة بعض كتاب الأغاني من هذا الجيل حيث الرص المقفى والمط والتطويل بمفردات مستهلكة ودون تماسك أو منطقية في الفكرة.
يواصل مدين التنويع في الأفكار اللحنية دون أن يجمع بينها رابط أو وحدة فنية متماسكة، الأغنية تبدأ على مقام النهاوند مع توظيف بعض العُرب اللحنية، قبل أن ينتقل إلى البياتي في جملة “لا الأيام عايزة تعدي” ثم يعود إلى النهاوند لإنهاء المقطع ثم فجأة ينتقل في المقطع الأخير إلى مقام السيكا بطريقة تبدو غير مدروسة تمنحك إحساس بأننا أمام أغنية ثالثة منفصلة عن السياق قبل أن يعود إلى النهاوند لإنهاء الأغنية.
أمام توزيع نادر حمدي يبدأ بمقدمة موسيقية مستوحاة بوضوح من أغنيات عبد الحليم حافظ تحديدًا “الليالي – نعم يا حبيبي نعم” من خلال استخدام البيانو بنغمة حادة وعالية وكأنه يمنح المقدمة طابعًا كلاسيكيًا مبالغ فيه حد الكاريكاتير، ثم تدخل النحاسيات بدون معالجة في الميكس واضحة جدًا حيث تهبط الموسيقى فجأة مع دخول الوتريات فتشعر بأن النحاسيات قد الصقت عنوة على البناء العام للأغنية، وهو ما يثير الفضول حول استخدام الذكاء الاصطناعي، ثم ينوع في الإيقاع ما بين الواحدة والمقسوم السريع يؤكد أن هناك تشتت في الأفكار أنتج لنا في النهاية أغنية مستنسخة موسيقيًا من أعمال شهيرة سابقة أشبه بالـ “سمك – لبن – تمر هندي”

“طلع القمر – كلمات : عليم – لحن : اسلام رفعت – توزيع : نادر حمدي”
يعيد عليم تصدير المعجم التقليدي المرتبط بالقمر والسهر والليل ويستند إلى مفردات جاهزة فقدت كثيرًا من قدرتها على التأثير في المستمع،مع قوافي متوقعة ومستهلكة لا تضيف إلى المعنى بل تؤكد فقره ويبدو أن النص صيغ على عجل ولم يعيد تشكيل المفردات داخل سياق نص يمنحها حياة جديدة أو صورة مختلفة فيكرر ما قيل من قبل دون أي إضافة وهنا يتجلى الفارق بين كاتب الأغاني وبين الشاعر أو بين أي شخص عادي يستطيع رص كلمات مقفاة دون معنى مبتكر.
يصعب تحليل اللحن والتوزيع كل على حدة، حيث المقدمة التي تجعلك تستدعي تلقائيًا أجواء أغنية “في يوم وليلة” من خلال توظيف مقام العجم ثم الإنتقال إلى البياتي في مقطع “أدي بختنا” ثم إلى الكرد في المقطع الأخير وكأن الملحن إسلام رفعت ينتقل بين المقامات دون مسار لحني واضح أو تمهيد كاف، ثم يعود إلى العجم كي يختم الأغنية، ودون إغفال جزء في التوزيع الموسيقي وهي أن الناي في بعض المواضع بدا خارجًا عن الإطار النغمي “نشاز”

لو ذهبنا إلى أداء أحمد سعد سنجد أن هناك صعوبة في فهم بعض الكلمات بسبب سوء مخارج الحروف ، وصوته القوي لا يعفيه من ضرورة الوضوح والإنفعال باللحن لا ينبغي أن يتحول إلى عائق في فهم الكلمات، حيث أن المطرب مطالب بأن يمنح الجملة حقها في التعبير لكنه مطالب بأن ينطقها بحيث تصل إلى المستع دون أن يضطر إلى إعادة الأغنية بحثُا عن ماهية الكلمة التي قيلت.
خاتمة
في النهاية لا تتمثل أزمة ألبوم “الموسيقى العربية” في غياب العناصر الشرقية، بل في حضورها بوصفها علامات جاهزة ومنفصلة عن رؤية فنية قادرة على منحها معنى جديدًا، المقامات الشرقية حاضرة، والاّلات والإيقاعات موجودة، لكن حضورها باهت أقرب إلى التجاور منه إلى التفاعل كأن كل عنصر يؤدي وظيفة منفردة دون أن يدخل في حوار حقيقي مع بقية العناصر، أما الكلمات فتتحرك داخل قاموس عاطفي مستهلك مع ضعف واضح في مخارج الحروف فلا يصل المعنى بالوضوح الكافي مهما بلغت قوة وحلاوة صوت أحمد سعد، أما التنفيذ الموسيقي فيفتقر إلى اللمسة الإنسانية التي تمنح العزف شخصيته ودفئه، وتسمح للعازف بأن يضيف من إحساسه وخبرته ، لأن أن يكتفي بتنفيذ جمل مصقولة محايدة، لذا يبدو الألبوم في كثير من الأحيان وكأنه محاولة لإعلان الإنتماء إلى الموسيقى العربية أكثر من كونه تعبيرًا حيًا عنها.
أقدر لأحمد سعد رغبته في تقديم مشروع ذي هوية واضحة، لكن هذه الرغبة قادته إلى فخ الهوية المغلقة، هوية تكرر مفرداتها وأشكالها تفتقد القدرة على مفاجأة المستمع و ادهاشه، الألبوم لا يعاني من نقص في الأدوات بل في غياب الطريقة التي تجعل تلك الأدوات تتنفس معًا داخل بناء فني متماسك، لا تستعاد الموسيقي العربية بمجرد تركيب مقام شرقي على كلمات مألوفة وتوزيع يوحد الأصوات أو بإطالة زمن الأغنية أو إضافة تصفيق الجمهور لإيهام المستمع بوجود حياة وتفاعل، وإلا تحولت المسألة إلى ما يشبه الأكلة السريعة التحضير ثم إعلان انتهاء المهمة بحثًا عن المشروع أو “السبوبة” التالية.
وينطبق الأمر نفسه على تصوير الأغنيات بالذكاء الاصطناعي إذ جائت الصورة منفصلة في أحيان كثيرة عن حقيقة ما نسمعه، فالكاميرا تراقب البيانو بينما تعزف الوتريات أو تركز على التشيللو في لحظة يقود فيها القانون الجملة الموسيقية ثم يظهر صناع الأغنية بين جمهور مصطنع في مشاهد مصممة لإنتاج الانبهار لا لتجسيد لحظة فنية حقيقية ، ومهما بدا الإنتاج مصقولًا ولامعًا ومهما كان العنوان جذابًا وله وجاهته فإن الشكل لا يستطيع أن يعوض غياب الصدق، ولا المحاكاة البصرية بالذكاء الإصطناعي إلى حياة.
عمرو دياب ودوريان جراي : حين تشيخ الموسيقى ويبقى الوجه شابًا
Author
ما هو انطباعك؟








