رئيسة التحرير
رشا الشامي
همتك نعدل الكفة
0   مشاهدة  

مركزيات كبرى ولا طائر وقواق حضاري؟ (3-10)

Author

  • شاعر عامية وقاص مصري مهتم بالشأن النوبي ونقد الخطاب الديني

Author

  • شاعر عامية وقاص مصري مهتم بالشأن النوبي ونقد الخطاب الديني



كسر “وليد” كل بروتوكولات ليلة الدخلة، وقضاها يشرح لعروسته تداخل المركزيات وهو ماسك عرايس “الماتريوشكا”. شرح مشكلة “وليد” ماعدتش تفكيك “الطبيعي“، ولا اكتشاف أن المجتمعات بتعمل معاييرها ومرجعياتها على أيديها، إنما إن عروسته -نوال- عايزة تسيبه وتنام؛ في عِز ما لسه فيه سؤال مطير النوم من عينيه: إذا كانت كل المجتمعات بتصنع معاييرها ومرجعياتها المحلية، ليه معظم المركزيات فضلت جوه حدودها الجغرافية والثقافية، وعدد قليل جدًا منها تجاوز زمانه ومكانه، واتحول إلى “مركزيات كبرى”.

“وليد” حاول يغري عروسته برحلة شهر عسل ماحصلتش في تاريخ الجواز كله، وعرض عليها تركب معاه آلة الزمن ويلفوا سوا ورا إجابة سؤاله الجديد: إزاي مركزية محلية تتحول إلى مركزية كبرى؟

“نوال” بصتله بعيون شبه مغلقة، وردت عليه بسخرية: «آلة زمن إيه هتلف بيها عشان تجاوب على سؤال؟ ده أنت قديم قوي، أنا أخش أأنتخ في سريري.. وأسأل “متولي” وهو يجيب الإجابة المفيدة لحد عندي».

نزلت الجملة على “وليد” زي جردل مية متلجة، وصاح بعلو صوته: «متولي مين يا خاينة؟!»

ضحكت “نوال” وهي بتسحب موبايلها من جيب بيجاميتها الحرير وبالأيد التانية بتسحب “وليد” في اتجاه أوضة النوم.. عشان يمش وراها وهو مذهول من بساطة رد فعلها: «ده أنت ضايع، ده الـAI بتاعي مسمياه متولي».

في طريقهم قال “وليد” سؤاله بصوت مرتبك، عشان بعدها يخرج صوت “متولي” شبه البشري؛ في رد بيصحح صيغة السؤال نفسها: «أهلًا. المشكلة في سؤالك إنه بيفترض وجود “حدث” أو “سبب” مباشر لتحول مركزية ما من محلية لكوكبية.. والتاريخ مابيشتغلش كده. التاريخ بيشتغل بأنماط تراكمية».

سكت وليد للحظة يحاول يستوعب الفرق، فسحبت “نوال” الموبايل من إيده: «سيبني أنا أفهم منه واشرحلك بطريقتي، مش أنت بتفهم العلوم مني.. سيبلي الطلعة دي».

مش كل مركزية مشروع حضاري

سكت “وليد” لحظة يحاول يستوعب النقطة. في حين “متولي” مكمل شرح:

كل مجتمع عنده كود معياري بيحدد سلوك أفراده: إزاي يتجوزوا،  ويلبسون، ويتخانقوا، ويتقاضوا، إيه حرام، وإيه حلال، إيه عيب، وإيه مقبول.

والمركزيات المحلية هي الشرط الأساسي لاستقرار أي مجتمع. بس مجرد وجودها كمركزية مش شرط يضمن تحولها إلى “مركزيات كبرى” أو مشروع حضاري عابر للحدود. أغلب المجتمعات عاشت مكتفية بمرجعياتها الداخلية؛ نظمت بيها حياتها وعلاقات أفرادها، وفضلت المعايير دي حبيسة جغرافيتها؛ لأنها مامتلكتش المحرك ولا الأدوات التي تدفعها للخروج.

أصل التجاوز الحضاري مش صدفة، زي حرايق الغابات أو ضربات النيازك؛ ممكن تحصل فجأة فتعيد ترتيب أوراق الكوكب. لأ دي بتيجي نتيجة تشغيل نمط معين بيتكون من مجموعة مراحل متتابعة.

YouTube player

التوسع (فتح المجال)

مافيش مركزيات محلية خرجت بره حدودها الجغرافية وبقت مركزيات كبرى لأن أفكارها ألمعية أو معاييرها جذابة أو حتى قوانينها أكتر عدالة. النمط الغالب بيورينا أن الخطوة الأولى دايمًا بتكون عملية “توسع” تفتح المجال الفيزيائي والجغرافي.

في معظم النماذج الكبرى اللي شهدها العالم، زي الإمبراطورية الرومانية، التوسع تم عبر قوة مباشرة، عسكرية وسياسية. والقوة في ذاتها ماتقدرش توجد مرجعية من الفراغ، تقدر بس إنها تكسر الحدود وتطير أو تسيطر على النظام السياسي اللي كان بيحمي المرجعية القديمة، وتخلق مساحة نفوذ جديدة للشعب صاحب القوة “الفاعل الحضاري”؛ عشان يدخل ومعاه كتالوجه المعياري ومرجعيته وكل مكونات مركزيته، اللي كانت محلية.

وبدون عملية فتح المجال، فأقوى الحُجج وأعمق الأفكار وأنبل القيم كلهم هيفضلوا محصورين في بيئتهم الأولى.

بس الجيوش لوحدها ماتقدرش تصنع مركزية كبرى، وإلا كل إمبراطورية غازية كانت هتبقى مرجعية للعالم. ولو راجعت على موقع الميزان مقال “ليه الفايكنج والمغول دابوا.. والعرب علّموا على الكل؟“، هتشوف إزاي عتاة الغزاة دابوا حضاريًا في المجتمعات اللي حكموها.

ده لأن السيطرة ع الأرض شيء، والسيطرة على المرجعية شيء تاني خالص.

الانتشار والتبني الذاتي

بعد فتح المجال الحضاري، تبدأ أدوات “القوة الناعمة” تشتغل على مرحلتين تشوف شغلها عشان تبدأ عملية نقل “النسق المعياري” من المجتمع اللي بيتوسع إلى المجتمع المُضيف.

مؤسسات زي (القانون، الإدارة، اللغة، الدين، التجارة، الاقتصاد، السلطة التنفيذية) بتفرض المعايير الجديدة في معاملات الحياة اليومية: البيع والشرا، كتابة العقود، أسلوب الإدارة، القوانيين وفض النزاعات. كل الآليات دي بتبدأ تدار عن طريق معايير المركزية الوافدة، اللي عن طريق الأدوات الإجرائية بتتحول من معاييز وافدة إلى نواة جديدة النسيج اليومي للمجتمع بيدور حواليها.

“وليد” يقف على حيله ويسأل: «أفهم من كده إن العملية كلها مجرد فرض قسري من القوي على الضعيف؟» يجيب “متولي” صريحًا: «بالعكس. لو العملية فرض قسري بالكامل، المرجعية الوافدة هتنهار بمجرد تراجع القوة المباشرة.

السر في ظهور “مركزية كبرى” هو خطوة “التبني الذاتي”، المجتمع المُستقِبل مش مجرد متلقي سلبي. الانتشار يجيب نتيجة حقيقية لما المجتمع المُضيف -أو قطاعات واسعة منه- تشوف إن معايير المركزية الوافدة عندها قدرة أكتر على إدارة واقعهم، أو بتقدر تحقيق مصالحه بكفاءة أعلى.

والأهم إن أحيانًا المجتمع الوافد بيقدر يقنع المجتمع المُضيف أن مرجعيته المحلية ماعدتش نافعة، أو حتى إنها سبب تخلفه، فتبدأ هنا المعايير الجديدة ترتبط في الوعي الجمعي بـ”الهيبة” و”التقدم” و”القوة”. في اللحظة دي، المعايير الوافدة مابتعودش مرجعية تخص الوافد لوحده، ده المجتمع المُضيف هو نفسه بيتبناها.

مركزيات كبرى

الترسيخ (طائر الوقواق)

المرحلة الأخيرة لاعتماد أي مركزيات كبرى هي مرحلة “الترسيخ”.

بعد المعايير الوافدة ما تستقر في قيادة المؤسسات التنفيذية، ييجي الدور على “مؤسسات التكوين وإعادة الإنتاج”: (المدرسة، الجامعة، المناهج التعليمية، الأدب، الفن، والسلطة التشريعية).

إقرأ أيضا

عملية مجتمعية تشبه سلوك “طائر الوقواق”: اللي بيروح يبيض في عش طائر تاني غيره، فالطائر الأصلي “صاحب العش” يرقد على بيضة الوقواق ضمن بيضه ولما البيض يفقس يراعي ابن الوقواق وهو فاكره واحد من عياله، لغاية ما الوقواق الابن يكبر بسرعة يتسيد هو العِش، وأصحاب العش بيخدموه ويكبروه بدون وعي.

المركزية الكبرى؛ بيتم فرضها من المجتمع الوافد على مؤسسات إعادة الإنتاج بتاعت “المجتمع المضيف”، فتتولى المدارس والجامعات تدريس المعايير الجديدة للنشء، وطبعا بتعمل ده مش بوصفها “معايير وافدة” إنما بوصفها الـ”معايير” بألف ولام التعريف، زي ما كانت بتعمل بالظبط مع المعايير المحلية.

هنا الدايرة تكمل وتتراجع فكرة “المعيار الوافد” وتبقى “المألوف”، ثم يتوارى المألوف تحت غطاء “الطبيعي”. ويفتح العيل عينيه في المدرسة على مناهج بتقوله إن ده هو الإطار الوحيد للتفكير والصواب، بدون ما يدري أنه بيعيد إنتاج مرحلة الترسيخ لمركزية كبرى بتشكل إدراكه.

زي أطفال الوِّز اللي أول ما يخرجوا من البيضة بيتعاملوا مع أول كائن حي يشوفوه على أساس إنه أمهم.

مركزيات كبرى

الخاتمة

“وليد” قرب ينفجر من التأثر بالاكتشاف، وبص لنوال بعيون كلها أسئلة، وقرب وشه من موبايلها وهو بيقول: «عظيم جدًا يا متولي؛ لما ده النمط العام.. قُللي بقى: إيه أنجح أو أبرز النماذج اللي مشيت ع النمط ده عبر التاريخ؟!».

بس قبل “متولي” ما ينطق بحرف واحد؛ شاشة الموبايل ضَلمِت فجأة، وصوت قفل الويندوز الشهير لعلع في الأوضة. نط “وليد” فورا ناحية باب الأوضة: «ثانية واحدة.. هاجيب الشاحن فورًا».

رفعت “نوال” راسها كام سنتي وهي بتقول بصوت نايم ونبرة حاسمة: «شاحن إيه يا اللي بتدور عليه يا عريس، لو جِبت الشاحن هات المأذون معاك».

وصل التهديد واضح من غير أي لبس، فرجع “وليد” للسرير من سكات.. ونام.

 

Author

  • شاعر عامية وقاص مصري مهتم بالشأن النوبي ونقد الخطاب الديني






ما هو انطباعك؟
أحببته
0
أحزنني
0
أعجبني
0
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0


Slide
‫إظهار التعليقات (0)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.







حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان