0 مشاهدة
د. مادي كانتي للميزان: العلاقات العربية-الإفريقية ضحية ترجمات مفبركة.. وتجارة الرقيق حقيقة لا تُنكر

Author
Author
حوار خاص لموقع الميزان مع الباحث في شؤون منطقة الساحل د. مادي كانتي، يتناول فيه قراءة نقدية لخطاب رئيس بوركينا فاسو، إبراهيم تراوري، وتفنيد الترجمات المتداولة حول العلاقات التاريخية العربية-الإفريقية، واستشراف آفاق الاستقرار وبناء الدولة في الساحل.
المحور الأول: قراءة في خطاب إبراهيم تراوري والجدل حول ترجمته
س: خلال الأيام الماضية أثارت تصريحات منسوبة لرئيس بوركينا فاسو، إبراهيم تراوري، جدلًا واسعًا في الإعلام العربي. بصفتك باحثًا متخصصًا في شؤون منطقة الساحل، كيف تقرأ هذا الخطاب؟
ج: ينبغي أولًا توضيح أن الأمر لا يتعلق بخطاب مفبرك بالكامل، بل بخطاب حقيقي ألقاه الرئيس إبراهيم تراوري، بحسب ما أذكر، في 16 يوليو 2026، خلال لقاء مباشر مع إحدى القنوات البوركينية. وقد تناول فيه عددًا من القضايا المرتبطة بالدولة والتعليم والأمن، ومن بينها موضوعات لها صلة بالعالم العربي والعالم الإسلامي.
وبعد الاستماع إلى الخطاب كاملًا، يمكن تلخيص مضمونه في ثلاث نقاط رئيسية:
أولًا، ركز الرئيس على مشروع إعادة بناء الدولة الوطنية، مؤكدًا أن الدولة تسعى إلى تحديد نوعية التعليم التي يحتاجها المجتمع البوركيني. وفي هذا السياق تحدث عن ابتعاث الطلاب إلى الخارج، سواء إلى الدول الغربية أو العربية، وربط ذلك باحتياجات البلاد الفعلية في مجالات مثل الاقتصاد، والطب، والهندسة، وغيرها من التخصصات.
كما تطرق إلى المنح الدراسية الأجنبية بصورة عامة، غير أن كثيرًا من وسائل الإعلام العربية ركزت فقط على حديثه عن المنح المقدمة من الدول العربية. وأشار إلى أن عددًا من الطلاب يسافرون للدراسة بفضل هذه المنح، ثم يحصل بعضهم بعد التخرج على فرص دعم أو مساعدات من الجهات المانحة. واعتبر أن بعض العائدين يحملون، بحسب رؤيته، فهمًا دينيًا غير صحيح، وأن بعضهم ينتهي به الأمر إلى دعم الفكر المتطرف والإرهاب في منطقة الساحل، ولا سيما في بوركينا فاسو.
ثانيًا، ربط الرئيس بين بعض أنماط التعليم الشرعي في الخارج وبين انتشار التطرف الديني، معتبرًا أن بعض الذين عادوا من الدراسة في دول عربية أصبحوا من الداعمين للجماعات المتطرفة في المنطقة.
ثالثًا، دعا إلى أن تتولى الدولة بنفسها مسؤولية تعليم العلوم الإسلامية واللغة العربية، وكذلك تعليم اللغات والثقافات الأجنبية الأخرى، بحيث يتم ذلك داخل بوركينا فاسو وبتمويل حكومي، بدلًا من الاعتماد على الدراسة في الخارج.
ورغم أن الخطاب انطلق من قضايا تتعلق بالتعليم والسيادة الوطنية، فإنه تضمن، في بعض المواضع، إشارات تاريخية وجغرافية غير دقيقة. ومع ذلك، فإن الخطاب الذي استمعت إليه لم يتضمن أي حديث عن استرقاق العرب للأفارقة أو اتهامات تاريخية من هذا النوع.

س: انتشرت لهذا الخطاب ترجمات عربية متعددة، حمل بعضها عبارات أثارت حساسيات واسعة. إلى أي مدى كانت هذه الترجمات دقيقة؟
ج: من خلال الترجمة التي اطلعت عليها، وُضع على لسان الرئيس إبراهيم تراوري أنه قال إن العرب استعبدوا الأفارقة لأكثر من ألف عام، وإنهم يحاولون إخفاء هذه الحقيقة التاريخية.
بحسب الخطاب الذي استمعت إليه، فإن هذه العبارات غير موجودة. ولذلك أعتقد أن الترجمة لم تكن دقيقة، أو أنها لم تنقل المعنى الأصلي للخطاب. أما إذا كان هناك خطاب آخر للرئيس تناول هذه القضية، فأنا لم أطلع عليه.
الخطاب الذي سمعته انصب أساسًا على قضية ابتعاث الطلاب البوركينيين إلى الدول العربية، وخاصة في مجال الدراسات الشرعية والعلوم الإسلامية، واعتبار أن بعضهم يعود بأفكار متطرفة تسهم، بحسب رؤية الرئيس، في دعم الإرهاب داخل المنطقة. أما الحديث عن استرقاق العرب للأفارقة أو الإشارة إلى ألف عام من العبودية، فلم يرد في الخطاب الذي استمعت إليه.
س: أُثير جدل حول حديث الرئيس عن الطلاب البوركينيين الدارسين للعلوم الشرعية في بعض الدول العربية. ما الذي قاله تحديدًا؟ وهل يرى وجود تضارب بين المرجعيات التي يعود بها بعض الدارسين وبين مشروع الدولة الوطنية، بما يسمح للجماعات المتطرفة باستغلال ذلك؟
ج: تحدث الرئيس عن هذه القضية بصورة واضحة، معتبرًا أن بعض الطلاب الذين يدرسون العلوم الشرعية في الدول العربية يعودون إلى بوركينا فاسو بأفكار يراها خاطئة، وأن هذه الأفكار تسهم في دعم التطرف والإرهاب داخل البلاد.
وانطلاقًا من ذلك، دعا إلى تخصيص ميزانية حكومية لتدريس العلوم الإسلامية والعلوم الدينية، الإسلامية والمسيحية، داخل بوركينا فاسو، حتى لا يضطر الطلاب إلى السفر للدراسة في الخارج.
واعتبر أن عودة بعضهم لا تحقق، من وجهة نظره، فائدة للدولة، بل ترتبط بانتشار التطرف والإرهاب. إذ أن بعض هؤلاء العائدين يسهمون في نشر الفكر المتطرف، ويقومون بتكفير بعض الممارسات الدينية السائدة داخل المجتمع البوركيني، وخاصة المرتبطة بالطرق الصوفية.
وأشار أيضًا إلى أن بعضهم لا يعترف بالقوانين الوطنية، ويقدم الشريعة، وفق فهمه، على القوانين المدنية، ولا يقبل بالتعدد الديني والثقافي داخل البلاد.
ويرى الرئيس أن الجماعات المتطرفة تستغل هذا المناخ، فتقوم بتجنيد بعض هؤلاء العائدين، وتعتمد عليهم في حربها ضد الدولة وفي دعم النشاط المتطرف داخل بوركينا فاسو.
المحور الثاني: الذاكرة التاريخية والعلاقات العربية الإفريقية
س: تداولت بعض المنصات الناطقة بالعربية أن خطاب الرئيس إبراهيم تراوري تطرق إلى الدور العربي في تاريخ إفريقيا وربطه بقضية استرقاق الأفارقة. ما مدى دقة هذه الرواية؟ وإلى أي مدى تعكس هذه السرديات الوقائع التاريخية والسياسية والاجتماعية في المنطقة؟
ج: سبق أن أوضحت أن الخطاب الذي استمعت إليه لا يتضمن حديثًا عن استرقاق العرب للأفارقة، أو ربطًا مباشرًا بين العالم العربي وتاريخ الرق في إفريقيا. وإذا كان هناك خطاب آخر تناول هذه القضية، فأنا لم أطلع عليه.
أما من الناحية التاريخية، فإن إفريقيا عرفت عددًا من منظومات الرق وتجارة الرقيق عبر مراحل مختلفة، من أبرزها:
- الرق داخل المجتمعات والإمبراطوريات والممالك الإفريقية نفسها: (في معظم المجتمعات الأفريقية الواقعة جنوب الصحراء الكبرى، لم يكن الرق، في أغلب الحالات، يؤدي إلا دورًا هامشيًا. وكان المسترقون، في الغالب أسرى حرب يُطلق سراحهم بعد انقضاء مدة أسرهم. كما أن حالة الأسر لم تكن تُحوِّل الإنسان إلى مجرد ملكية خالصة ومطلقة، كما كان الحال في أماكن أخرى في العالم).[1]
- تجارة الرقيق عبر الصحراء الكبرى، والتي ربطت غرب ووسط إفريقيا بشمال إفريقيا، ومنها إلى المغرب العربي ومصر والمشرق العربي (العالم العربي)[2].
- تجارة الرقيق عبر البحر الأحمر والمحيط الهندي باتجاه الجزيرة العربية والخليج وبلاد فارس والهند، وكانت “زنجبار” إحدى أهم مراكز هذه التجارة تاريخيًا[3].
- تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي باتجاه أوروبا والأميركتين.
- تجارة الرقيق التي ارتبطت بالعلاقات بين بعض الإمبراطوريات الإفريقية والعالم العربي بعد انتشار الإسلام في أجزاء من القارة[4].
هذه وقائع تاريخية موثقة، ولا ينبغي إنكارها. فقد شهد التاريخ بالفعل تجارة الرقيق بين أجزاء من إفريقيا والعالم العربي، وهي حقيقة يمكن الرجوع إليها في المصادر التاريخية العربية والإفريقية والأجنبية.
لكن الاعتراف بهذه الوقائع لا يعني استخدامها لإفساد العلاقات الحالية بين العرب والأفارقة. فكما أن العلاقات بين أوروبا وإفريقيا لم تتوقف رغم تجارة الرقيق والاستعمار، يمكن أيضًا بناء علاقات عربية إفريقية جديدة تقوم على الاعتراف بالتاريخ دون إنكاره أو توظيفه لإنتاج عداوات معاصرة.
كما أن آثار تلك المرحلة لا تزال حاضرة في بعض المجتمعات العربية، من خلال بعض الصور النمطية أو الممارسات العنصرية المرتبطة بذوي الأصول الإفريقية أوالبشرة السوداء، وهي امتدادات تاريخية ينبغي الاعتراف بها ومعالجتها مجتمعيًا، لا إنكار وجودها.

س: تُوظَّف بعض السرديات التاريخية حول تجارة الرقيق أو الاستعمار اليوم كأداة للتعبئة السياسية. كيف تقرأ هذا التوظيف؟ وهل يمثل استثمارًا مشروعًا للذاكرة التاريخية، أم غطاءً لتبرير الأزمات الراهنة؟
ج: من وجهة نظري، فإن استخدام تاريخ الاسترقاق لتفسير كل مظاهر التأخر في إفريقيا أو لتبرير غياب التنمية هو استخدام غير صحيح.
فالقارة الإفريقية لم تعرف الاسترقاق على يد العرب وحدهم، وإنما تعرضت أيضًا للاسترقاق الأوروبي، كما شهدت مناطق أخرى من العالم أشكالًا مختلفة من الرق، ولم يمنعها ذلك من تحقيق التنمية لاحقًا.
لكن في المقابل، لا يمكن إنكار أن تجارة الرقيق تركت آثارًا اجتماعية وثقافية ما زالت قائمة حتى اليوم، ومن بينها بعض أشكال العنصرية ضد الأفارقة في عدد من المجتمعات العربية، حيث ما تزال بعض الألفاظ والممارسات تحمل إرثًا تاريخيًا يعود إلى تلك المرحلة.
ولا يعني ذلك أن جميع العرب عنصريون، لكن العنصرية موجودة في بعض المجتمعات، ولا يمكن تجاهلها. ومعالجة هذه الظاهرة تتطلب مزيدًا من الوعي المجتمعي والتثقيف، لأن العنصرية لا تخدم أي مجتمع.
وفي الوقت نفسه، تستغل بعض القيادات الإفريقية هذه السرديات التاريخية لتحقيق مكاسب سياسية أو شعبية، عبر التركيز على أن العرب أو الأوروبيين استعبدوا الأفارقة، بينما تُغفل الأسباب الحقيقية للمشكلات الراهنة، مثل الفساد، وضعف المؤسسات، وسوء الإدارة، والبطالة، وغياب الخدمات الأساسية.
في تقديري، لا يمكن ردّ أسباب التأخر في إفريقيا إلى التاريخ وحده، بل تتحمل القيادات الحالية مسؤولية أساسية في معالجة الأزمات وبناء مؤسسات الدولة.
ولذلك، فإن التعامل الموضوعي مع هذا الملف يقتضي الالتزام بعدة مبادئ:
- الاعتراف بجميع أشكال الرق التي عرفها التاريخ.
- دراسة دور القوى الخارجية والفاعلين المحليين معًا.
- الاستماع إلى ذاكرة المجتمعات التي تعرضت لهذه التجارب.
- رفض تحويل المسؤولية التاريخية إلى كراهية موجهة ضد الشعوب المعاصرة.
- ربط العدالة التاريخية بإصلاح مؤسسات الدولة في الحاضر.

س: هل يمتلك الجدل الحالي القدرة على إلحاق ضرر حقيقي بالعلاقات بين الشعوب العربية وشعوب غرب إفريقيا؟ وما الآلية المعرفية المطلوبة لبناء فهم متوازن للتاريخ المشترك؟
ج: نعم، يمكن لهذا الجدل أن يسبب ضررًا حقيقيًا إذا استمر تداول المقاطع المفبركة أو الترجمات غير الدقيقة؛ لأن العلاقات العربية الإفريقية لا تقوم على الدبلوماسية وحدها، وإنما تشمل الدين، والتعليم، والهجرة، والتجارة، والزواج، والاستثمار، والعمل الثقافي المشترك.
ومن شأن انتشار المعلومات غير الدقيقة أن يؤدي إلى تصوير العرب باعتبارهم كتلة معادية لإفريقيا، أو إلى تصوير الأفارقة الذين يناقشون تاريخ الرق باعتبارهم معادين للإسلام، نتيجة الخلط بين الهوية العربية والدين الإسلامي، وهو خلط غير صحيح.
كما قد يثير هذا الخطاب حساسيات داخل مجتمعات الساحل، ويؤثر في اتجاهات الرأي العام تجاه العالم العربي، خاصة لدى من يعتمدون على المحتوى المتداول في وسائل التواصل الاجتماعي دون الرجوع إلى مصادره الأصلية.
وقد ينعكس ذلك أيضًا على التعاون التعليمي والديني والاقتصادي بين الجانبين، خصوصًا إذا تبنت بعض الحكومات سياسات تحد من ابتعاث الطلاب إلى الدول العربية، كما طُرح في خطاب الرئيس إبراهيم تراوري.
ولذلك، فإن بناء فهم متوازن للتاريخ المشترك يتطلب:
- الرجوع إلى المصدر الأصلي الكامل لأي خطاب قبل تداوله أو الحكم عليه.
- الاعتماد على ترجمات دقيقة ينجزها متخصصون.
- التمييز بين الدين، والتاريخ، والسياسة، وعدم الخلط بينها عند قراءة الأحداث أو تفسيرها.

المحور الثالث: الدولة والمجتمع ومستقبل منطقة الساحل
س: شهدت منطقة الساحل ومالي نموذجًا للتداخل بين الدولة الوطنية، والجماعات المسلحة، والطرق الصوفية، والسلطات التقليدية. كيف انعكس صعود أو تراجع كل نموذج على أوضاع المرأة، والتعليم، والاستقرار الاجتماعي؟
ج: لا توجد علاقة آلية واحدة يمكن تعميمها؛ فكل سلطة قد تؤدي أدوارًا إيجابية أو سلبية بحسب السياق الذي تعمل فيه.
فعندما تكون الدولة الوطنية حاضرة، ومشروعة، وتمارس سيادتها بصورة فعلية، فإنها تكون قادرة على ضمان التعليم العام، وحماية حقوق المرأة، وتسجيل المواليد والزيجات، وتوفير القضاء والخدمات الأساسية. أما عندما يقتصر حضورها على البعد العسكري، فإن قدرتها على أداء هذه الوظائف تتراجع بصورة كبيرة.
أما الجماعات المسلحة، فهي تفرض سيطرتها على بعض المناطق، وتقدم أحيانًا أشكالًا سريعة من تسوية النزاعات، في محاولة لإظهار نفسها باعتبارها تطبق الشريعة الإسلامية. غير أن هدفها الأساسي يبقى احتكار القوة والسيطرة على الأرض والحصول على مصادر التمويل. وغالبًا ما تنعكس سيطرتها سلبًا على أوضاع المرأة، كما تؤدي إلى تعطيل الحياة الطبيعية، ومنع التعليم في المدارس الفرنسية، وفرض مناهجها الخاصة على المؤسسات التعليمية.
وفيما يتعلق بالمؤسسات الدينية والطرق الصوفية، فإن دورها في مالي محدود نسبيًا. فالكثير من العلماء الذين تلقوا تعليمهم في الدول العربية يعملون بصورة مستقلة من خلال مساجدهم ومدارسهم ومراكزهم التعليمية، ولا ينضوون تحت مظلة المؤسسات الدينية الرسمية، كما أن ارتباطاتهم الفكرية تختلف تبعًا للدول التي تلقوا فيها تعليمهم. وبشكل عام، لا يوجد تنسيق كافٍ بين هذه المؤسسات، بل تشهد أحيانًا خلافات حادة تصل إلى تبادل الاتهامات بالخروج عن الدين أو التكفير.
أما السلطات التقليدية، فلم يعد لها، في الوقت الراهن، دور مؤثر في إدارة الشأن الديني أو معالجة النزاعات والإرهاب داخل مالي أو في الساحل.

س: مع تراجع النفوذ الفرنسي وتصاعد الحضور الروسي والصيني، هل يمثل هذا التحول الجيوسياسي فرصة لإعادة بناء الدولة الوطنية وتفكيك بنية الإرهاب، أم أن تغيير الشريك الخارجي لا يعالج الخلل البنيوي الداخلي؟
ج: في تقديري، فإن تغيير الشريك الخارجي لا يعالج المشكلات البنيوية داخل دول الساحل.
فالتحولات التي شهدتها المنطقة، من خروج فرنسا والأمم المتحدة من مالي وبوركينا فاسو والنيجر، والاتجاه نحو روسيا والصين وتركيا وإيران، لا تعني في حد ذاتها حل الأزمات الداخلية، وإنما تمثل استبدال شريك خارجي بآخر.
المشكلات الأساسية في المنطقة لا تستطيع أي قوة خارجية حلها، وإنما تتطلب وجود قيادة وطنية قادرة على بناء دولة قوية وجيش قادر على معالجة أسباب الأزمة مع مشاركة انخراط جميع أطراف الشعب.
فالقضية لا تقتصر على الإرهاب، بل تشمل أيضًا البطالة، والفساد، وسوء الإدارة، وتهميش بعض فئات المجتمع، وهي الظروف التي تستغلها الجماعات المسلحة في عمليات التجنيد.
ولذلك فإن أي معالجة حقيقية تتطلب بناء عقد اجتماعي سليم، ومحاربة الفساد، وتحسين التعليم، وحماية المدنيين أثناء العمليات العسكرية. أما الشركاء الخارجيون، فيمكن أن يقدموا دعمًا للدولة، لكنهم لا يمثلون الحل الأساسي لمشكلاتها.
أقرأ أيضًا.. التطرف حصان طروادة التدخل الأجنبي (1-2)
س: كيف تتكيف الجماعات الإسلامية المتطرفة في غرب إفريقيا، أيديولوجيًا وتنظيميًا، مع تراجع النفوذ الفرنسي وصعود روسيا؟ وهل تغيرت أهدافها من إسقاط الدولة إلى التعايش مع سلطات الأمر الواقع؟
ج: لا أرى أن أهداف الجماعات المسلحة قد تغيرت.
فهذه الجماعات ما زالت تعمل على السيطرة على مزيد من المناطق، وتسعى إلى إقامة دولة إسلامية – في منظورها-، وتواصل حربها ضد الدولة الوطنية باعتبارها لا تمثل، من وجهة نظرها، الحل لمشكلات المجتمع.
وخلال الفترة الأخيرة، أقامت جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” تحالفًا مع الحركة الانفصالية المسلحة في مالي، ممثلة في جبهة تحرير أزواد، بهدف مواجهة الحكومة وإضعاف الدولة.
ولذلك لا أعتقد أن هذه الجماعات تتجه نحو التعايش مع سلطات الأمر الواقع أو التخلي عن العمل المسلح.

س: إلى أي مدى يؤثر تغير المناخ وتدهور الأراضي الزراعية في خيارات المجتمعات المحلية، مثل الانضمام إلى الجماعات المتطرفة، أو التمسك بالبنى القبلية، أو الهجرة؟
ج: لا يمثل تغير المناخ سببًا مباشرًا أو آليًا لظهور التطرف، ولا توجد علاقة حتمية مباشرة بين الجفاف والإرهاب.
لكن التغيرات المناخية تخلق ظروفًا تستغلها الجماعات المسلحة في عمليات التجنيد، خاصة في ظل ارتفاع درجات الحرارة، واضطراب مواسم الأمطار، وتدهور الأراضي الزراعية والمراعي، وحدوث الفيضانات والجفاف، بما يؤدي إلى تقلص الموارد المتاحة للمزارعين والرعاة.
وعندما تتزامن هذه الأوضاع مع ضعف الدولة، وانتشار السلاح، والنزاعات العرقية، والفساد، والتمييز، وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب والتهميش، تصبح البيئة أكثر قابلية لاستقطاب المجندين من قبل الجماعات المتطرفة.
أقرأ أيضًا.. التطرف حصان طروادة التدخل الأجنبي (2-2)
س: كيف تؤثر التكنولوجيا الحديثة والاقتصاد الرقمي ووسائل الاتصال الجديدة في معادلة القوة بين الدول والجماعات المسلحة؟
ج: أصبحت التكنولوجيا الحديثة عاملًا مؤثرًا في هذا الصراع، ولم تعد الحكومات وحدها هي المستفيدة منها.
فالجماعات المسلحة تستخدم الطائرات المسيّرة في أعمال المراقبة والاستطلاع، وتستفيد من صور الأقمار الصناعية، وأنظمة الإنذار المبكر، لتنسيق عملياتها وتنفيذ هجمات متزامنة في أكثر من منطقة. وكان من المفترض أن تسهم هذه التقنيات في تعزيز قدرات الحكومات على مكافحة الإرهاب، لكن الجماعات المتطرفة نجحت أيضًا في توظيفها لتنفيذ عملياتها وتوثيق هجماتها. وأصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة من الأدوات المتزايدة الأهمية في إدارة الصراع، غير أن دول الساحل لم تتمكن حتى الآن من استثمار هذه الإمكانات بالشكل الكافي.
وناقشت هذا الأمر تحديدًا بتفصيل وافي في أحد فصول[5] التقرير السنوي عن الجغرافيا السياسية لأفريقيا 2026

س: د. مادي كانتي بالنظر إلى الأفق القادم، كيف تتصور شكل الدولة والمجتمع في منطقة الساحل؟ وما الرسالة الأساسية التي تود توجيهها إلى الجمهور العربي؟
ج: لا أعتقد أن منطقة الساحل تتجه حتمًا إلى التفكك، كما لا أرى أنها تتجه تلقائيًا إلى بناء دولة وطنية حديثة، لأن التحديات التي تواجهها ما زالت كبيرة وقائمة وعند السلطات صعوبة مواجهتها في الوقت الحالي.
وأتصور أن مستقبل المنطقة يمكن أن يسير في ثلاثة مسارات رئيسية:
المسار الأول هو إعادة بناء الدولة الوطنية، عبر استعادة الأمن، وتوسيع الخدمات والإدارة العامة، وإصلاح المؤسسة العسكرية واعتمادها على نفسها، وتطبيق اللامركزية، بما يسمح بإشراك المجتمعات المحلية، والمؤسسات الدينية، والسلطات التقليدية في بناء الدولة وصياغة عقد اجتماعي أكثر عدالة.
أما المسار الثاني، فهو ترسيخ نموذج الدولة الأمنية المركزية، التي تفرض سيطرتها على المدن الكبرى والمحاور الرئيسية، بينما تبقى المناطق الريفية عرضة لنفوذ الجماعات المسلحة المتطرفة.
والمسار الثالث هو استمرار حالة التشظي الوظيفي، بحيث تبقى الدولة قائمة من الناحية القانونية، بينما تتوزع السيطرة الفعلية بين الجيش والجماعات المسلحة في مناطق مختلفة، وهو السيناريو الذي أراه الأقرب خلال السنوات المقبلة، نظرًا لأن الدولة ما زالت تركز على حماية مؤسساتها، في حين تواصل الجماعات المسلحة قدرتها على تنفيذ هجمات في مناطق متعددة وقطع الطرق الأساسية بين العاصمة والمدن الإقليمية.
أما رسالتي إلى الجمهور العربي، فهي أن منطقة الساحل ليست مجرد فضاء للانقلابات العسكرية أو الإرهاب أو الهجرة، وإنما منطقة ذات تاريخ عريق وحضارات ممتدة، مثل إمبراطوريات غانا ومالي وسونغاي، ومدن تاريخية مثل تمبكتو وجيني وغاو.

كما أن شعوب الساحل ليست كتلة واحدة، والجماعات المتطرفة لا تمثل الإسلام المحلي في المنطقة، تمامًا كما أن وجود أنظمة عسكرية أو نفوذ قوى دولية لا يمثل حقيقة مجتمعات الساحل.
وينبغي أن نتعامل مع التاريخ بموضوعية؛ فنقر بوقوع تجارة الرقيق عبر الصحراء والبحر الأحمر، دون أن يتحول ذلك إلى إدانة جماعية للعرب أو المسلمين المعاصرين، كما ينبغي ألا يُستخدم الاستعمار الأوروبي أو تجارة الرقيق الأطلسية لتفسير جميع مشكلات إفريقيا المعاصرة أو إلغاء دور الفاعلين المحليين في صناعة واقعهم.
وأرى أن مستقبل العلاقات العربية الإفريقية ينبغي أن يقوم على المعرفة المتبادلة، والبحث العلمي المشترك، والترجمة الدقيقة، والتعاون المتكافئ، والاعتراف الصريح بكل صفحات التاريخ، لأن هذه الأسس وحدها هي التي يمكن أن تبني علاقة أكثر توازنًا بين العالم العربي ومنطقة الساحل وغرب إفريقيا.

خاتمة
ختامًا، إن الجدل الدائر حول خطاب رئيس بوركينا فاسو ليس محض أزمة ترجمة عابرة، بل جرس إنذار يكشف حجم هشاشة الجسر المعرفي بين الشعوب الناطقة بالعربية وإفريقيا؛ جسر يستحيل ترميمه بالخطابات السياسية، إذ يحتاج لمعرفة دقيقة، واعتراف متبادل بالتاريخ المشترك بكل أزماته؛ خاصة وإن شطر كبير من هذه الشعوب هي بالأساس شعوب أفريقية.
وعلى من يريد الاطلاع أكثر بخصوص تجارية الرقيق بين أفريقيا والعالم العربي الرجوع للمصادر التراثية العربية التالية:
- “المسالك والممالك” – أبو عبيد البكري.
- “صورة الأرض” – ابن حوقل.
- “وصف أفريقيا” – الحسن الوزان.
- “مسالك الأبصار في ممالك الأمصار” – شهاب الدين العمري.
- “مروج الذهب ومعادن الجوهر” – المسعودي.
- “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق” – الإدريسي.
- “تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار” – ابن بطوطة.
- “أخبار الصين والهند” – سليمان التاجر وأبو زيد السيرافي.
(بعض المصادر لا تستخدم المصطلح الحديث «تجارة الرقيق عبر الصحراء»؛ وإنما تصف المدن والطرق والقوافل والسلع والرقيق ومناطق الانطلاق والوصول. ويذكر “ابن حوقل”، وفق الدراسة الحديثة، أن التجارة ربطت “سجلماسة” بـ”أودغست” وبالمراكز الصحراوية الممتدة شرقًا، مع اتصالها بتجارة البحر المتوسط)
كما توجد عدة مراجع أكاديمية باللغة العربية، مثل:
إبراهيم عبد المجيد، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة قناة السويس، العدد 40، 2023.
- “مكران، عُمان، وزنجبار: ممر وثلاث محطات ثقافية في غرب المحيط الهندي”
بياتريس نيكوليني، ترجمة عربية، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية. - “تجارة العبيد العابرة للصحراء: بين الذاكرة والتاريخ” – رحال بوبريك، دار رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2023.

هوامش
[1]) تاريخ أفريقيا العام مجلد 1، ص 783.
[2]) تجارة العبيد العابرة للصحراء: بين الذاكرة والتاريخ.
[3]) المرجع السابق.
[4]) المرجع السابق.
[5]) التحول التكنولوجي للحروب في أفريقيا في العصر الرقمي: تداعياته على إعادة تنظيم الأمن الاستراتيجي في مواجهة الجماعات الإرهابية والمتمردة في منطقة الساحل وغرب أفريقيا – مادي كاتي – فصل ضمن “التقرير السنوي عن الجغرافيا السياسية لأفريقيا 2026″؛ وعنوانه: “إعادة التفكير في أفريقيا في عالم مجزأ” – تحرير/ عبد الحق باسو – مركز السياسات للجنوب الجديد – الرباط:.
Author
ما هو انطباعك؟








