رئيسة التحرير
رشا الشامي
همتك نعدل الكفة
0   مشاهدة  

الخلطة السحرية للتركيبة السردية (ج2)

التركيبة السردية

Author

  • شاعر عامية وقاص مصري مهتم بالشأن النوبي ونقد الخطاب الديني

Author

  • شاعر عامية وقاص مصري مهتم بالشأن النوبي ونقد الخطاب الديني



فيه فكرة مريحة نفسيًا عند كتير من البشر؛ وهي إن الأفكار العظيمة نزلت/ظهرت كاملة، مكتفية بذاتها، ومنفصلة عن العالم قبلها. كأن التركيبة السردية للحضارات بتظهر فجأة من غير مقدمات.

بس في الواقع الحضارات، بما فيها الدينية، مش بتعيش في جزر معزولة؛ إنما بتنبت وسط زحمة لغات، وأساطير، وذكريات، ونبوءات، وآلهة قديمة. شعوب بتختلط ببعض؛ قوافل رايحة وقوافل جاية، بتشيل بضايع وأوبئة.. وأفكار بتسافر أسرع من أصحابها.

عشان كده، بعد سؤال الحلقة اللي فاتت: ليه السردية العربية قدرت تنتشر وتتحول لنظام حضاري عالمي هضم الكل، في حين إن سرديات الفايكنج والمغول ماتت؛ رغم انتصار أصحابها عسكريًا؟

محتاجين الحلقة دي نطرح سؤال تاني: “إزاي الإسلام قدر يعيد توليف حكايات وأفكار كانت عايشة في المنطقة لقرون.. ويحطها جوه قالب جديد قابل للانتشار والتبني من شعوب تانية مختلفة ومتنوعة؟”.

بس وإحنا بندور ع الإجابة لازم ناخد من فرق كبير بين التشابه، والنسخ، والوراثة الثقافية، وإعادة التشكيل. وننسى خالص فيديوهات “الحقيقة الصادمة التي أخفوها عنك منذ 1400 سنة!”.. أو فيديوهات “رد مجانص المشهور على شبهة نسخ القرآن لقصص اليهود في شقة العبور”، إلى أخر العناوين “الكاتشي” اللي بتدور في فلك أن الإسلام سردية قص ولزق أو إنه أتى بما لم يأتِ به الأوائلٌ.

YouTube player

وهم البداية من الصفر

لما نفتش في تركيبة أي حضارة كبيرة.. مستحيل نلاقيها ظهرت من العدم الفكري. الرومان مثلًا ماخترعوش سرديتهم من فراغ؛ خدوا التراث الهيليني الإغريقي هضموه وعدلوه على مقاسهم، فغيروا أسامي الآلهة (“زيوس” مثلًا بقى “جوبيتر”)، وربطوا الليلة كلها ببنية إمبراطوريتهم.

المسيحية كمان ماخرجتش من الفراغ؛ إنما نبتت في بيئة يهودية تحت حكم روماني، ثم اتشكلت وتم تدوينها واعتمدها كديانة رسمية جوه عالم “هيليني-روماني” مشحون بفلسفة يونانية وتصورات شرقية قديمة.

اليهودية نفسها، بعد السبي البابلي غير قَبّْلُه؛ بعض الباحثين بيربطوا بين احتكاك اليهود الطويل بالعالم الفارسي وبين صعود تصورات أكتر وضوحًا عن الملايكة والشياطين والصراع الكوني ونهاية العالم. وده يبان في تشابه بعض التصورات الأخروية اليهودية المتأخرة مع المناخ الديني الفارسي وقتها.

يعني الحضارات الكبرى -غالبًا- مابتبدأش من الصفر؛ التاريخ الحضاري عادة بيقوم على تراكمات وإعادة صياغة ما سبق مش على قطيعة تامة مع الماضي، عشان كده نادرًا ما تظهر منظومات رمزية مكتفية بذاتها بالكامل ودايمًا بتعيد ترتيب وتشفير العالم اللي لقته قدامها مش بتخترع قراية جديدة له. وده مش دليل ضعف، بالعكس، ده سر قوتها. لأن الحضارة اللي بترفض تستخدم “اللغة الرمزية” للشعوب اللي قبلها، بتضطر تبدأ من الصفر مع كل شعب جديد تدخل له.. وده مكلف وبطيء جدا.

YouTube player

 

الجزيرة العربية ماكنتش معزولة

ناس كتير مُتخيلة إن شبه جزيرة العرب -قبل الإسلام- كانت حتة مقطوعة، قبايل قاعدين بره التاريخ وفجأة ظهر النص القرآني، وأول أمنوا بيه فهموا كل حاجة وتقدموا على كل شعوب الأرض؛ فخرجوا ينشروا ما يشبه “علمهم اللدني“لباقي الكوكب.

وده كلام رومانسي جميل.. ينفع للأفلام ماركة “الشيماء” أو “بيت الله الحرام” بس مالوش علاقة بالتاريخ، أراضي العرب كانت جزء من شبكة تجارية وجيوسياسية واسعة؛ قوافل -حسب السردية الإسلامية- طالعة للشام ونازلة لليمن، وده غسر ذِكر طرق التجارة واضح في النقوش وحضور جماعات يهودية ومسيحية في أطراف الجزيرة، والاحتكاك المستمر بالفرس والروم والأحباش، ووجود يهودي مستقر في الواحات، ومسيحي شرقي (نسطورية ويعقوبية) يتحرك في الأطراف، والعرب نفسهم كان بينهم أقليات من الصابئة وغيرها من معتقدات توحيدية إبراهيمية.

يعني العربي بثقافته السمعية -في القرن السادس الميلادي- ماكنش يَسّْبَح في “فراغ ميثولوجي”، بالعكس.. كان يُبَلّْبِط في خلطة من حكايات عن إله واحد بيبعت أنبيا ويُحكم ملايكة وشياطين. طوفان في بداية العالم، وتصورات عن نهايته، صراع أبدي بين الخير والشر، ومنظومة عادلة للحساب والعقاب.

عشان كده لما حد يقول: “الإسلام قدم سردية جديدة منفصلة عن ما سبقها”؛ ماينفعش ننصدقُه، كمان اللي يرصد العناصر المتشابهة بين الإسلام وما قبله؛ ويقدمها كـ”سرقة أو نسخ” مباشر؛ ماينفعش ناخده على محمل الجَد.

بالظبط زي ما بنتعامل مع شعوب بتعيش في فضاء جغرافي وبتتنفس هوا حضاري مشترك، بالتالي المنطقة الأقرب لقلب “العالم القديم”؛ وبتتقاطع فيها أغلب طرق التجارة أو حدود أكبر إمبراطوريتين بيحكموا العالم ده.

السردية
صورة تخيلية لقافلة تجارية

سَفَر الحواديت

الطوفان موجود في ألواح السومريين[1] وملحمة جلجامش[2]، وظهر في العهد القديم والقرآن. هل ده معناه أن كل نص سرق اللي قبله؟

لو بصينا ع الطريقة اللي بيشرح بيها الأنثروبولوجيين طريقة انتقال الحواديت؛ هنلاقي القصص الكبرى بتتحول لتركة ثقافية بتعيش لقرون في الوجدان الجمعي للمنطقة، وخلال رحلتها الشفاهية بتتحور؛ كل شعب بيعيد صياغتها حسب ثقافته ووظيفة الحدوتة دي عنده، كمان حسب إيه أتنسى أو إيه مقبول أخلاقيًا حداهم.

فزي المسيحية ما استلمت سردية يهودية عبرانية وأعادة إنتاجها، بتطويرها لدرجة إلغاءها أحيانا؛ من باب إنقضاء “العهد القديم”.

كمان القرآن، كسردية عربية، رتب نفس العناصر ضمن إطار أكتر حداثة؛ قصة الطوفان اللي عن غضب أو صراع آلهة. أتحولت لتحذير أخلاقي عالمي؛ الطوفان فيها عقاب للشرك والظلم والفساد.. مش مجرد نتيجة عركة ولا نرفزة آلهة.

بالتالي نوح مش مجرد نجاي من الغرق، ده رسول× “إِنَّآ أَرسَلنَا نُوحًا إِلَىٰ قَومِهِۦ أَن أَنذِر قَومَكَ مِن قَبلِ أَن يَأتِيَهُم عَذَابٌ أَلِيم”[3] عاش يحذر أهله “لْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا”[4]، ولما أرهقوه مقاوحة دعا عليهم ودعوته استجابت بإغراقهم ونجاة المؤمنين/الأخيار منهم بس[5].

سردية بتخلق مساحة رمزية مشتركة بين المنتصر والمهزوم؛ درس أخلاقي نهايته إن “كلنا” أحفاد “الكويسين”، فلو الغازي العربي حفيد نوح، فالمهزوم جده ركب السفينة؛ يعني مافيش أزمة إن كل حد يقلد “جدُّه الكويس”، العربي يحذر والأخر يسمع كلامه؛ وبكده تتحول القصة من نسب خاص بالعربي لساحة أخلاقية تسمح للمهزوم يشوف نفسه جواها.

YouTube player

السر مش في الحكاية.. السر في بنيتها

أما أبرز نموذج ع الهضم المعرفي وإعادة التشكيل.. هي قصة إبراهيم، فحسب التراث الإبراهيمي السابق: إبراهيم (إبرام) هو الأب لشعب مُعين (اليهود)، سلالته من ابنه الصُغَيَر؛ ابنه من زوجته العبرانية سارا[6].

السردية العربية، الإسلام، خدت الشخصية لآفاق أوسع، جعلتُه أب روحي لفضاء حضاري أممي “أبو الأنبياء”. تركيبة أسرته ماختلفش مع التركيبة الموجود في التوراة، ولا مع امتداد النبوة في نسله من سارا؛ بالعكس ضمت قصص أنبيا تانيين منهم يعقوب، يوسف، موسى.. وغيرهم؛ مع اختلاف في الأحداث أو زاوية التناول.

أعادت توظيف مساحات غير مركزية في التراث الإبراهيمي غيرت تمركز شخصية ابنه الأكبر إسماعيل، من ابن جارية مصرية، هاجر، -حسب قواعد العرب المسلمين خلفتها له جعلتها زوجة شرعية- إلى صاحب خط درامي جديد كِملِت بيه حكاية أسرة أبو الأنبيا.

بالشكل ده إبراهيم ماعدش مرتبط بشعب واحد، بقى رمز للتوحيد اللي ينفع أي إنسان ينفع ينتمي له، بغض النظر عن أصله راجع لمين من ركاب سفينة نوح.

تحول منح السردية رسالة أخلاقية أممية، قادرة تستوعب الآخر مش تنفيه.. بشرط يتبناها، زي ما حصل من شعوب متنوعة ومختلفة (فرس، أمازيغ، ترك، أفارقة.. إلخ).

القوة العسكرية لوحدها مش كافية لتفسير الاستيعاب الحضاري، عشان كده ممكن نقول بصيغة أدبية “السلاح الأخطر عند العرب ماكنش السيف، إنما سردية عندها القدرة إنها تخلي الآخر يشوف نفسه جواها.. وكمان من حقه يتبناها”؛ والأهم إنها لسه مش مدونة بالكامل.

السردية العربية “الإسلام” ماجابتش حكايات جديدة بالكامل؛ لدرجة إن المعاصرين للنبي -حسب النص القرآني- قالوا: “لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَا ۙ إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ”[7]؛ يعني الحكايات دي مسموعة قبل كده.

بس أعادة نرنيب الحكايات القديمة جوه قالب أكتر قدرة ع الحركة والتوسع واستيعاب شعوب مختلفة. لإنهم ماحستشوش إنهم داخلين عالم غريب عنهم؛ بالعكس كتير منهم حس إنه بيشوف أجزاء من نفسه وموروثه جوه النص الجديد، ولو بصورة مختلفة.

إقرأ أيضا
السردية

السردية

المزيد من الأسئلة

بس هنا يظهر لنا سؤال أخطر بكتير: (لو السردية مجرد “خلطة ذكية” من رموز وقصص مألوفة، هل ده لوحده كافي عشان تصمد قدام حضارات أقدم وأغنى وأعقد من الجزيرة العربية نفسها؟ هل الحكاية وحدها تقدر تبني إمبراطورية؟ أو تمكن العرب من إدارة بيروقراطيات راسخة زي الموجودة في فارس ومصر؟).

الإجابة غالبًا: لأ.

وإلا كنيسة روما كانت عرفت تسيد صياغتها للسردية المسيحية حدانا؛ معاها قوة باطشة وسردية مقبولة نسبيًا، بس فيه تفصيلة جعلت الصياغة الأوروبية تترفض مقارنة بالصياغة محلية، تفصيلة اتسببت في معارك رهيبة.. مانتهتش بتسييد الصياغة الحاكمة القوية على صياغة المهزومين المستضعفة.

طب إيه الفرق؟

سؤال بسيط من 3 كلمات.. بس محتاج حلقة كاملة ندور فيها عن إجابته، نتقابل الأسبوع الجاي.

المراجع

[1]) مغامرة العقل الأولى: دراسة في الأسطورة: سوريا وبلاد الرافدينفراس السواح (الفصل الأول)

[2]) المصدر السابق (الفصل التاني)

[3]) إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦٓ أَنۡ أَنذِرۡ قَوۡمَكَ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ (1- نوح).

[4]) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (14 – العنكبوت).

[5]) كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ فَكَذَّبُواْ عَبۡدَنَا وَقَالُواْ مَجۡنُونٞ وَٱزۡدُجِرَ (9) فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَغۡلُوبٞ فَٱنتَصِرۡ (10) فَفَتَحۡنَآ أَبۡوَٰبَ ٱلسَّمَآءِ بِمَآءٖ مُّنۡهَمِرٖ (11) (القمر).

[6]) وَلَكِنْ عَهْدِي أُقِيمُهُ مَعَ إِسْحَاقَ الَّذِي تَلِدُهُ لَكَ سَارَةُ فِي هَذَا الْوَقْتِ فِي السَّنَةِ الْآتِيَةِ (تك 17: 21)

[7]) وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَا ۙ إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (31-الأنفال)

Author

  • السردية

    شاعر عامية وقاص مصري مهتم بالشأن النوبي ونقد الخطاب الديني






ما هو انطباعك؟
أحببته
0
أحزنني
0
أعجبني
0
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0


Slide
‫إظهار التعليقات (0)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.







حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان