رئيسة التحرير
رشا الشامي
همتك نعدل الكفة
0   مشاهدة  

المركزيات في المطبخ.. طب هنعيش إزاي؟ وفين؟

هنعيش إزاي؟

Author

  • شاعر عامية وقاص مصري مهتم بالشأن النوبي ونقد الخطاب الديني

Author

  • شاعر عامية وقاص مصري مهتم بالشأن النوبي ونقد الخطاب الديني



بعد كام سنة من جواز “وليد” و”نوال”، موضوع الخلفة مابقاش فكرة مؤجلة لحد ما «نشوف الحياة هتودينا فين».. بقى قرار له حسابات؛ شغل، دخل، سكن، مدارس، كميونتي، مستقبل طفل لسه ماجاش، لكنه بدأ بالفعل يفرض نفسه على قرارات إتنين لازم يجاوبوا على سؤال: هنعيش إزاي؟ وفين؟

ومع الحسابات، ظهر السفر للخليج كاحتمال منطقي ومباشر: شغل، دخل أحسن، وحياة ممكن تتبني بشكل مختلف. بس أخبار الحرب الإيرانية-الأمريكية خلت الاقتراح الكلاسيكي ده صعب شويتين تلاتة.

فظهرت روسيا كاقتراح، بلد مش مطروحة عادة في حياة المصريين، بس بقت موجودة في خريطة الاختيارات نتيجة لصداقة “وليد” بالروسية “ناتاشا عبد الرسولوف”. لكن برضك فيه حرب روسية أوكرانية شغالة.

خريطة واسعة بس الاختيارات محدودة؛ وكمان كل اختيار فيه حرب بتخليه محفوف بالمخاطر، عشان السؤال يتغير من “هنعيش إزاي؟ وفين؟” إلى “هو العالم وصل إزاي للصورة دي؟”.

إزاي بقى فيه قوى عظمى، ومجالات نفوذ، ونماذج مختلفة للحياة، وكل قوة متبنية نموذج شايفاه الكتالوج المثالي للكوكب؛ وبتقول للعالم: الحياة المفروض تبقى بالشكل ده.

سؤال مصيري لأسرة تحت الإنشاء ساقهم لسؤال تاريخي الإجابة عليه بدأت تتشكل قبل جدودهم ما يتولدوا.

لما المركزية شققت

نوال في حلمها شافت أوروبا وهي مركز العالم، شافت إن ده ماكنش لمجرد إنها أقوى عسكريًا أو اقتصاديًا، إنما لإنها أصلًا كانت تملُك مرجعية جزء كبير من العالم معتمد عليها وعلى معاييرها. بس كمان “نوال” شافت منافسة شديدة بين الدول الأوروبية حديثة التكوين، فاللي حصل إن المرجعية دي نفسها بدأت تتشقق من جواها.

ولما صحيت ودورت أكتر؛ عرفِت إن بعد الحرب العالمية الأولى، مابقاش فيه تصور واحد متماسك لشكل المجتمع والدولة والاقتصاد والحياة في أوروبا. ظهرت تصورات متنافسة: (الليبرالية، والشيوعية، والفاشية)، أفكار خناقتها خرجت بره حدود الورق، كل تصور لقى حامل سياسي يحوله من فكرة نظرية إلى نظام متكامل.

أمريكا إتبنت الأفكار الليبرالية؛ وقدمت نموذج ليبرالي ديمقراطي له أدواته ومؤسساته.

أما في روسيا، فالبلاشفة إتبنوا الشيوعية وعملوا منها نسخة تناسب واقعهم ومجتمعهم، وقدمت نموذج شيوعي حاول يعيد هيكلة الدولة والمجتمع والاقتصاد على أساس مختلف.

الفاشية أتبنوها إيطاليا وألمانيا؛ وقدمت نموذج حاول يجعل من قوته السياسية والعسكرية مشروع توسعي جوه أوروبا نفسها.

والنموذج الفاشي تحديدًا كان مثال ممتاز إن المركزية الكبرى مش مشروع ينفع يتبني بالعافية، الفاشية كمرجعية عنصرية قايمة على تفوق عرقي؛ ومهما بلغت من قوة غير قابلة للتوسع والتبني من مجتمعات تانية، وحتى لو حصل فكل مجموعة هتتبناها.. أوتوماتيك هتعنصر على اللي جنبها وعلى المصدر نفسه، أقصى طموحها إن قوميتين يجتمعوا على كراهية قومية تالتة.. فيتحالفوا مؤقتًا.

هنعيش إزاي؟
صورة تعبيرية عن تشقق المركزية – باستخدام الـAI

مارشال V.S الكوميكون

وجود 3 مركزيات متنافسة جوه نفس المركزية، كان واحد من أسباب الحرب العالمية التانية، حرب تحالف فيها النقيضين (المرجعية الرأسمالية-الديمقراطية مع المرجعية الشيوعية-الشمولية) عشان يقضوا على المرجعية التالتة (الفاشية).

وفي سنة 1945 انتهت الحرب بسقوط الحامل السياسي والعسكري للفاشية، كمان أوروبا نفسها خرجت من الحرب غير ما دخلتها؛ خرجت مستنزفة على كل الأصعدة، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا وديموغرافيًا.. إلخ. والقوى اللي كانت قادرة تنظيم العالم فقدت جزء كبير من قدرتها على لعب نفس الدور.

فراغ تصارع عليه قوتين إتبنوا مرجعيتين خرجوا من رحم المركزية الأوروبية، وكل قوة منهم طورت المرجعية اللي تبنتها وجعلتها “مركزيتها المحلية”، الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وكل واحدة منهم اشتغلت على إن مركزيتها تورث المجال الحيوي للمركزية الأوروبية.

أمريكا بدأت تبني مجالها من خلال الاقتصاد وإعادة الإعمار والمؤسسات والتحالفات السياسية والاقتصادية. مشروع مارشال، مثلًا، قدم مساعدات أكتر من تلتاشر مليار دولار وقتها، مشروع أعاد بُنا أوروبا الغربية، بين 1948 و1951. ده غير إنهم كانوا أصحاب مشروع “الأمم المتحدة” كبديل للمرحومة “عصبة الأمم”.

ع الناحية التانية، “ستالين” رفض مشاركة دول أوروبا الشرقية في المشروع، واشتغل الاتحاد السوفييتي على بُنا مجلس التعاون الاقتصادي المعروف باسم الكوميكون سنة 1949.

حتى جغرافية أوروبا نفسها بقت جزء من التركة، وتم تقسيمها لمناطق نفوذ سوفيتية وأمريكية؛ وألمانيا.. بالتحديد “برلين” بقت أوضح مكان ممكن تشوف فيها العالم الجديد وهو بيتشكل قدامك.

هنعيش إزاي؟
صورة تعبيرية للصراع الروسي الأمريكي – بباستخدام الـAI

حرب المركزيات

المركزية مش شخصية فعلية بتنادي ع الناس وتقولهم: «أنا عندي أفكار ومعايير، اتفضلوا طبقوها». المرجعية بتتحول إلى مؤسسات، والمؤسسات تتبنى وتنتج معايير، والمعايير تدخل الحياة اليومية.

أمريكا ماخدتش الليبرالية الأوروبية وحطتها في صندوق وشحنته عبر المحيط، أمريكا أخدت الفكرة الخام وشكلتها جوه تجربتها: السوق، الملكية، المبادرة الفردية، الإنتاج، الاستهلاك، المؤسسات، والثقافة والفن. بعدها بقى عندها “نموذج أمريكي” قابل للحركة بره حدوده الجغرافية.

والسوفييت عملوا نفس الشغلانة مع مرجعية تانية، وتجربتهم انتجت: الدولة الشمولية، الحزب الواحد، سيطرة الدولة ع الاقتصاد، التعليم التلقيني، المؤسسات، الثقافة والفن.

وطبعًا كل منهم كان عنده تصور مختلف لمعنى التقدم ولمعنى التخلف والرجعية.

فبعد كده لما انتصروا في الحرب العالمية التانية وبقوا همه قطبين العالم، كان طبيعي ينتهي التحالف المؤقت ويبدأ التنافس الشرس على منصب “مركزية العالم”.

تنافس الطرفين اتعلموا كويس إنه ماينفعش يكون عن طريق حرب مباشرة بينهم، بس ينفع بأشكال تانية متنوعة: الاقتصاد، المؤسسات، الإعلام، التحالفات السياسية.. وحتى العسكرية، ولو قفلت خالص تبقى بحروب غير مباشرة؛ أو زي ما بيسموها “حروب بالوكالة“.

المهم إن الكتالوج/المعيار يوصل للمجتمع جديد، ويتبناه حامل محلي، ويبدأ في ترسيخه، ثم إعادة إنتاجه محليًا، بالتالي المركز مايكونش مُطالب يفضل واقف كل يوم يقول للحامل المحلي يعمل إيه.

“الكوميكون”، مثلًا، ماكانش مجرد اتفاق تجاري. كان جزء من منظومة اقتصادية مرتبطة بالتخطيط والتجارة ونقل التكنولوجيا بين دول الكتلة الشرقية، تحت قيادة سوفيتية فعلية.

وفي المقابل، أمريكا كانت بتستخدم المساعدات والمؤسسات والسياسات الاقتصادية في بُنا مجال مُختلف، بس برضه بيحتاج لحامل محلي يتبنى الكتالوج الأمريكاني ويرسخه ويعيد إنتاجه بصيغة محلية.

في الحرب الأهلية اليونانية مثالًا، أمريكا دعمت حكومة اليونان بشكل مباشر بمساعدات وسلاح وتدريب ومستشارين، من خلال “مبدأ ترومان“، وهو باختصار مُخل: حزمة مساعدات متنوعة مقابل رفض الشيوعية. من الناحية التانية الدعم السوفييتي كان غير مباشر؛ عن طريق حامل محلي للمرجعية الشيوعية وقريب جغرافيًا من اليونان؛ فكان الثوار الشيوعيون عندهم دعم وسلاح وملاذ عبر الحدود من يوغوسلافيا وألبانيا وبلغاريا.

هنعيش إزاي؟
صورة تعبيرية لانقسام صناعة الحياة – باستخدام الـAI

المركزيات بتتخانق في المطبخ

“الحرب الباردة” ماكنتش صراع سياسي واقتصادي وجيوسياسي وعسكري وفقط، في قلب كل ده كان فيه صراع على شكل الحياة، مين صاحب الكتالوج الأنسب لقيادة البشرية؟

السوق الحر ولا الشيوعية؟ – الفرد ولا الجماعة؟ – الديمقراطية الليبرالية ولا نظام الحزب الواحد؟ – الحرية بمفهومها الأمريكي، ولا العدالة بفهم السوفييت؟

معركة في غاية الوضوح وليها تجليات كتير؛ أبرزها “مطبخ”.

سنة 1959، وخلال معرض أمريكاني في قلب موسكو، دخل الرئيسين الأمريكي والسوفييتي، “نيكسون” و”خروتشوف“، في نقاش شهير حوالين نموذج لمطبخ أمريكي موجود في المعرض.

ظاهريًا الحوار كان عن الأجهزة المنزلية والاستهلاك، بس بين الكلام كان فيه كلام تاني.. كان فيه سؤال كبير بيطرح نفسه، وبيختصر الصراع بين القطبيين العالميين: أنهي طريقة أنسب إنها تكون “الطبيعي” بتاع البشر؟

“نيكسون” كان بيعرض الاستهلاك والابتكار والمنافسة باعتبارها الطريق الأنسب للتطور. و”خروتشوف” كان بيرد بأن التخطيط المركزي قادر على توجيه الموارد بطريقة أكتر كفاءة.

إقرأ أيضا
هنعيش إزاي؟

عشان بقدرة قادر المطبخ يبقى ساحة حرب ع الضيق، حرب المنافسة فيها كانت بتغير طرفينها.

فمثلًا لما السوفييت أطلقوا «سبوتنيك-1» سنة 1957، كأول قمر صناعي في تاريخ الناس، رد الفعل في أمريكا ماكنش بس على قد الدخول بقوة في سباق الفضاء وسلسلة “أبولو”، التأثير الأعمق بالنسبة للمنظومة الأمريكية كان علاقتها بالتعليم. وبالتحديد بعد سنة واحدة بس، 1958، أمريكا أصدرت قانون الدفاع الوطني للتعليم عشان توسع تدخلها في تمويل التعليم.

بالمقابل “الكتلة الشرقية” كانت بتواجه جاذبية النموذج الاستهلاكي الأمريكي الموجود في “الكتلة الغربية“، فحصلت حزمة إصلاحات اقتصادية سمحت بهامش أكبر من الاستهلاك والسوق، بدون التخلي عن سيطرة الحزب، في حركة توافقية أبرز تجلياتها كانت في المجر اللي ظهرت فيها «الشيوعية الجولاشية»، نسبة لطبق شعبي حداهم اسمه “الغولاش” بيتكون من مجموعة حاجات مالهاش علاقة ببعض، زي الكشري حدانا كده.

هنعيش إزاي؟
صورة أبو طارق بتاع الكشري – هي كده بدون AI

نهاية حرب المركزيات

في نهاية 1991 انتهى الاتحاد السوفيتي رسميًا من العالم، سقطت الدولة السوفيتية، وسقط ورا منها كل الأنظمة الشيوعية الحاكمة في “الكتلة الشرقية” وغالبية دول العالم. بس مش معنى ده إن كل أثر لسوفييت ومرجعيتهم الشيوعية اختفى معها؟

فبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، السوق نفسه اللي كان بيمثل النموذج الأمريكي، دخل روسيا، بشكل أو بأخر، فكمان “الكتلة الغربية” بقت متقبلة وجود نقابات قوية وبعض دولها بتتبى نظام “دولة الرفاه“.

يعني هنروح فين؟

وليد ونوال، اللي ليلة جوازهم كانت بداية علاقتهم بمفهوم المركزيات، في اللحظة دي -وبعد سنين من الجواز- ماكانوش بيدوروا على حاجة تخص المركزيات، كانوا بيفكروا في حياتهم الشخصية ومستقبلهم سوا، فشافوا في الخليج احتمال.. وفي روسيا احتمال، وممكن مكان تالت أو رابع.

بس لما وقفوا قدام الخريطة وشافوا إن فيه حروب بتهدد اختياراتهم.. كانوا فاهمين عمق الأزمة، ومستوعبين إن السفر من نقطة للتانية مش مجرد نقلة ع الخريطة، المكان اللي بنعيش فيه مش جغرافيا وخلاص، الأهم إنه «طبيعي» اتصنع قبل ما نتولد بزمان. فلما نختار مكان هنعيش فيه مش بنختار مجرد عنوان.. إحنا بشكل أو بأخر بنختار “طبيعي” عملوه ناس غيرنا.

واقع جعل “نوال” و”وليد” يقفوا قصاد الخريطة ويسألوا بعض: هو ماينفعش نعمل مركزية كبرى على مقاسنا؟

 

الحلقات السابقة

(10-0) فن صناعة الطبيعي

(10-1) المعيار.. كتالوج البشرية

(10-2) آلة الزمن ورحلة البحث عن مؤلف

(10-3) مركزيات كبرى ولا طائر وقواق حضاري؟

(10-4) لم نوال أو المركزية الأوروبية

(10-5) حلم وليد أو المركزية العربية

Author

  • هنعيش إزاي؟

    شاعر عامية وقاص مصري مهتم بالشأن النوبي ونقد الخطاب الديني






ما هو انطباعك؟
أحببته
0
أحزنني
0
أعجبني
0
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0


Slide
‫إظهار التعليقات (0)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.







حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان