رئيسة التحرير
رشا الشامي
همتك نعدل الكفة
1   مشاهدة  

ليه الفايكنج والمغول دابوا.. والعرب علّموا على الكل؟ (ج1)

السردية
  • شاعر عامية وقاص مصري مهتم بالشأن النوبي ونقد الخطاب الديني

    كاتب فضي له اكثر من 250+ مقال



تلاتة عاشوا نفس الظروف واختاروا نفس الحل وحققوا النتيجة نفسها، بس مصيرهم اختلف (الفايكنج، المغول، والعرب)، بطبيعة الحال اختلاف المصائر كان نتيجة تأثيرات كتيرة ومتنوعة؛ سياسة واقتصادية ومجتمعية وعسكرية.. إلخ. بس فيه زاوية أتصور إنها مهجورة حبتين؛ وهي زاوية “نوعية السردية” اللي كل فريق كان شايلها وهو خارج من قحطه إلى نعيم الآخرين.

ثنائية القحط والميثولوجية

التلاتة بدأوا من نفس النقطة تقريبًا؛ بيئة جافة وقاسية، شُح في الموارد، جوع وقحط وضغط ديموغرافي زقهم بره حدودهم الجغرافية بحثًا عن الوفرة في بلاد تانية، فتصادموا مع ناس أضعف منهم عسكريا لكن أغنى منهم ماديا وسابقينهم على سلم الحضارة.. وجنب الموارد عندهم بيروقراطية إدارية راسخة.

التلاتة وهم خارجين كانت دوافعهم متغطية بسردية مثيولوجية تبرر لهم أفعالهم، وتوعد المقاتل منهم إنه لو أتقتل في المعركة هياخد مكافآت فورية تعوضه عن الحرمان اللي عاشه في حياته.

مقاتل الفايكنج كان بيحارب وعينه على “الفالهالا”، قاعة “أودين” الفخمة اللي هياكل ويشرب ويسكر فيها للأبد. ومقاتل المغول كان بيتحرك بإرادة “التنغريّة” والسما الزرقا الخالدة اللي منحت “الخاقان” الحق في حكم الأرض بسيوفهم. أما المقاتل العربي فكان بيتحرك وعينه على “جنة” فيها أنهارها متنوعة المشاريب وثمار لا تنضب ومتعة جنسية مالهاش مثيل.

السردية
مشهد تخيالي يُصور “فالهالا” (Valhalla)، حيث يعيش المحاربون الذين ماتوا ببطولة.

المصير

لحد هنا، المدخلات والظروف الجغرافية والنفسية شبه متطابقة. بس لما نبص ع النتيجة النهائية، بنصطدم بالمفارقة الكبيرة: الفايكنج والمغول، رغم قوتهم العسكرية المرعبة وجبروتهم اللي هد إمبراطوريات، انتهوا لنوع من “الاستلاب الثقافي الطوعي”؛ دبحوا منظوماتهم الميثولوجية على عتبة الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا أو الدواوين الصينية في آسيا أو بنوا جوامع وحكموا باسم الإسلام في الشرق الأدنى، يعني من الأخر تبنوا ديانات وسرديات وحتى مؤسسات الشعوب اللي هزموها.

في المقابل، النموذج العربي خرج من الصحرا وفرض لغته، ونصّه المقدس، وأيديولوجيته، وأسطورته ع الشعوب المهزومة، كمان مع الوقت امتص ثقافتهم لصالحه.

فـ ليه المغول والفايكنج اتكسروا معرفيًا قدام المغلوبين، في حين العربي وعلى المدى البعيد سرديته سيطرت على عقول الشعوب المفتوحة وأعاد تشكيل وجدانها الجمعي؛ وكل شعب من المهزومين يكاد يكون صاغ لنفسه نسخة خاصة من السردية العربية؟

سؤال طويل هابحث وراه من زاوية “نوعية السردية” الخاصة بكل فريق من التلاتة.

الميثولوجية هي الحل

لو بصينا ع “الفالهالا” عند الفايكنج، هنلاقيها نظام مكافآت مغلق؛ مش بس عرقي ده كمان نخبوي جدًا، نعيم حصري للمحاربين اللي يموتوا في أرض المعركة وسيفهم في إيديهم. في الوقت نفسه ماعندهومش أي مشروع أخلاقي أو نظام اجتماعي للأحياء، ولا عندهم أي عرض يقدموه للشعوب التانية؛  مافيش غير إنهم هيتم نهب خيراتهم أو  أرضهم نفسها، وفي الحالتين هيكونوا معرضين للقتل أو الاسترقاق لو فكروا مجرد تفكير في المقاومة. سردية ميثولوجية بتأكد تمايز الفايكنج كمقاتلين حتى على باقي شعبهم نفسه، فمافيش أي دمج للآخرين.. قوة غاشمة موجهة ضدك ومستحيل تنضم ليها.

ونفس الكلام ينطبق على “التنغرية” عند المغول؛ أسطورة محلية مرتبطة بالسهوب وبالأسلاف، السما فيها بتفوض “الخان”، لكن مابتقدمش فردوس شخصي أو مشروع هداية للفلاح الصيني أو المثقف الفارسي.

سرديات غارقة في المحلية والبيئية، وعاجزة تمامًا عن التواصل المعرفي بره حدودها. عشان كده لما الفايكنج والمغول قعدوا في بلاد الحضر، سرديتهم ماكنتش تقدر تدير الدول اللي استولوا عليها.. ولا الشعوب المهزومة كان ممكن يتبنوها، فكانت النتيجة الطبعية إنهم -ورغم انتصارهم العسكري- تخلوا عن سرديتهم وتبنوا سردية الشعوب المهزومة؛ عشان يعرفوا يعيشوا ويحكموا.

أما “الجنة” عند العرب كانت مختلفة خالص. النص المقدس ماخلهاش حصرية للمقاتل البدوي أو العنصر العربي بس، إنما قدمها كـ”مكافأة عالمية” متاحة للجميع، بما فيهم “المهزوم” إذا قرر يتبنى السردية الجديدة “الإسلام”.

أه فيه مكافآت حصرية للمقاتلين بس النعيم ككل مش حصري ليهم؛ و”الإسلام” كدين مُرحب بكل شخص أو شعب يؤمن بيه.. وبيقدم له نفس المكافآت. والأهم إن السردية العربية “الإسلام” ليها شخصية اعتبارية منفصلة نسبيا عن العرب كجماعة بشرية؛ وكمان امتلكت قابلية تنظيمية ومجتمعية.

إقرأ أيضا
شركة انطلاقة

جنة الإسلام قدمت للمقاتل العربي النقيض الحسي والجمالي للصحرا؛ أنهار وأشجار وظلال وثمار؛ فشكلت الشحنة الوظيفية العبقرية اللي خلته يندفع للموت وهو شايف معاناته هتنتهي في حالتين مالهومش تالت.. إذا تحقق له النصر أو الشهادة.

خاتمة

المقاتل البدوي العربي ماكنش خارج ياخد غنايم ويرجع إنما كان ناوي يستقر ويستوطن، زيه زي الفايكنج، بس سرديته شكلت له درع حماه من الدوبان في قصور الحضر.

لكن هل الجنة وحلم الأنهار والضِّلة كانوا كفاية لوحدهم عشان شعوب عريقة زي الفرس والروم والمصريين تسيب لاهوتها وسردياتها القديمة الراسخة من ألاف السنين وتتبنى سردية جديدة أصحابها أندفعوا لغزو العالم قبل حتى ما يدونوها؟

هنا بنوصل للميزة التانية في السردية العربية؛ وهي إنها ماكنتش غريبة تماما عنهم، إنما بتضم قصص وحكايات هُمّْه نفسهم صاغوها وتبنوها لقرون.. وده اللي هنفككه بالتفصيل في الحلقة الجاية.

الكاتب

  • السردية رامي يحيى

    شاعر عامية وقاص مصري مهتم بالشأن النوبي ونقد الخطاب الديني

    كاتب فضي له اكثر من 250+ مقال






ما هو انطباعك؟
أحببته
0
أحزنني
0
أعجبني
0
أغضبني
0
هاهاها
0
واااو
0


Slide
‫إظهار التعليقات (0)

أكتب تعليقك

Your email address will not be published.







حقوق الملكية والتشغيل © 2022   كافه الحقوق محفوظة
موقع إلكتروني متخصص .. يلقي حجرا في مياه راكدة

error: © غير مسموح , حقوق النشر محفوظة لـ الميزان