107 مشاهدة
العدالة الوهمية في المحكمة الترندية

Author
Author
في القاهرة من حوالي قرنين ورُبع، بالتحديد سنة 1800، كان بعض أجدادنا على موعد مع مشهد عنوانه “المحكمة”؛ “محاكمة سليمان الحلبي”. البلد أسميًا تابعة للسلطان العثماني، بس الفرنسيس حطوا أيدهم عليها وبيحكموها بسلطة الأمر الواقع، مشهد المحاكمة كان تاريخي بكل معاني الكلمة، نتفق كلنا -النهارده- إنها “صورية”، بس أياميها كانت أعجوبة.
المجني عليه ظابط فرنساوي اسمه “كليبر”.. شغلته “قائد جيش الاحتلال وخليفة نابليون على مصر”. الجريمة مكانش فيها لغز؛ الجاني مقبوض عليه مُتلبس، طالب أزهري اسمه “سليمان الحلبي”، ومُعترف من قبل أول ألم، والسلطة والسلاح والجلاد كلهم في أيد الفرنسيس.
يعني سهل يسحبوه من قفاه ويضربوه طلقة بين حواجبه، إنشالله يعاملوه معاملة عبد الله بن الزبير على أيد جيش اليزيد أو معاملة محمد ابن أبو بكر على أيد جيش عمرو بن العاص. بس المُحتل الفرنسي عمل محاكمة علنية، وجاب قضاة تبعه ومترجمين، وكتب محضر، واستدعى شهود، ومحامي للمتهم.. وليلة طويلة عريضة.
إجراءات فرد لها “الجبرتي” بإعجاب واضح عشرات الصفحات في المجلد التاني من كتابه “تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار”.
فهنا ينط بالسؤال: ليه البشرية احتاجت تعمل “محاكمة” وإجراءات، حتى لو النتيجة محسومة من قبل ما تبدأ؟

هيباتيا
إجابة السؤال مش عند نابليون ولا فرنسا كلها. الإجابة أقدم بكتير.. في إسكندرية القديمة؛ وكلمة السَر “هيباتيا”.
الناس اللي اتجمعوا وقتها وسحلوا هيباتيا بمنتهى البشاعة والقسوة حتى الموت، ماكانوش حاسين إنهم أشرار بالمرة. بالعكس، دول كانوا مقتنعين 100% إنهم “حماة الإيمان” والفضيلة والمدافعين عن الخير والحق.
ونتيجة “النوايا الحسنة” والغيرة ع الحق دي؟ ارتكبوا واحدة من أبشع الجرايم في تاريخ البشرية، وبقت “هيباتيا” رمز تاريخي لخراب العدالة. ومن هنا بدأت البشرية تشم ريحة الحقيقة المُرة:
أكتر ناس مقتنعين إنهم بيمثلوا الخير والملاك الطاهر، ممكن يتحولوا لبلطجية وسفاحين في ثانية.. أول ما يظهر الغضب أو الرغبة في الانتقام؛ أو أي مشاعر ممكن تجتاح جماهير مالهاش فرامل.
فـ”الإجراءات” هي الفرامل اللي بتكتف مشاعر الجماهير إنها تتحول لأحكام واجبة النفاذ، ومهما كان الناس مقتنعين بتصورهم عن الحقيقة، ومهما عروق رقبتهم ما نفَرِت.. تفضل الإجراءات مفرملاهم. هي آلية تجعل الوصول إلى النتيجة قابل للتحقق والمراجعة، وتحمي كل الأطراف، وتمنع السلطة نفسها من التحكم في النتيجة.

التحضر بالقيود.. “قرينة البراءة” نموذجًا
“المتهم بريء حتى تثبت إدانته“.
لما تم تخصيص المادة حداشر من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان للمبدأ ده؛ ماكنش الغرض دلع المتهمين ولا رخامة على الشاكين. ماكنش حتى كشف تدليس أي “حقوقي” -هيظهر مستقبليًا- وباسم الدفاع عن حقوق الإنسان يدين أو يحكم أو حتى يتبنى عقوبة قبل قرار واضح خارج من منظومة عدالة إجرائية راسخة.
البند ده إتصاغ وأتحط مخصوص عشان يحمي المجتمع من نفسه. يحمي الناس من إن قناعتهم الشخصية تتحول لمنصة القاضي ومشاعرهم اللحظية تتحول لسيف الجلاد، يحمي المجتمعات من أحكام وافعال وارد جدًا تندم عليها بعد ما الخناقة تنفض والأعصاب تهدا.
والفرامل الإجرائية -كأسلوب- مش متفصل مخصوص لمنظومة العدالة وحدها لا شريك لها؛ دي يادوب أول خطوة في طريق تصميم البشرية لآلية تحكم أي شغلانة محترمة في الحياة؛ عايز توصل لحقيقة؟ حط لنفسك قيود وإجراءات عشان تفرمل مشاعرك وانحيازاتك.
شوف الجدول السريع ده وركز معايا:
|
المنظومة
|
الهدف
|
الفرامل الإجرائية
|
|
العِلم التجريبي
|
كشف الحقايق العلمية
|
منهج علمي، تجارب تتقرر، مراجعة أقران |
|
الصحافة
|
نعرف الناس بالأخبار
|
تحقق من المصدر، حق الرد، الفصل بين الخبر والرأي الشخصي |
| الديمقراطية |
حكم الشعب |
دساتير، فصل سلطات، قضاء مستقل. |
كل نموذج من دول يُعد رُكن من أركان الحضارة الإنسانية، وكل رُكن منها قادر ينحرف ويدمر المجتمعات بدل ما يبنيها، عشان كده احتاجنا لوجود “قانون حضاري” يضمن تحجيم كل ركن عبر حزمة من الإجراءات.
العِلم لو أتساب ع البحري للعلوم الزائفة.. هنتوه في دهاليز الأرض مفلطحة ولا مجوفة.. وكل حد عنده تخيل هيسميه “نظرية”.
والصحافة الغرض منها توفير المعلومات والأخبار للناس، ومحاسبة المسؤولين.. إلخ، بس لو أتسابت بدون رقابة وضوابط سهل جدًا تبقى ساحة للتشهير والابتزاز وتصفية الحسابات.
حتى الديمقراطية، لو مالهاش ضوابط تمنع تفكيك آلياتها الأساسية، هنشوف نماذج زي “هتلر” وغيره من أصحاب أفكار فاشية وصلوا للسلطة في لحظة ما، مستفيدين من آليات الديمقراطية، فكان شغلهم الشاغل من أول لحظة في حكمهم هو تفكيك آليات الديمقراطية أو التحكم فيها.
فالإجراءات هي العتلة اللي بتمنع عجلة القوة إنها تفلت وتدهس الكل.
السوشيال ميديا.. وريمونتادا فوضى الجماهير
بعد تصميم الإجراءات وتعميم القواعد وتظبيط الفرامل، الجماهير رجعت تاني تقعد على منصة القضا وتوزع الاتهامات والأحكام وكمان تنفذها وهي قاعدة ع الكنبة بالشورت؟
البشرية وبعد ما قعدت قرون طويلة تبني النظام الإجرائي حجر فوق حجر، لقت نفسها في مواجهة عصر السوشيال ميديا. عصر كل إنسان فيه يقدر يمتلك سلطة الاتهام والتحقيق والحكم وتنفيذه.
بس عشان نكون واقعيين، الريمونتادا أه حصلت بدعم تقني من السوشيال ميديا؛ بس الفكرة ماظهرتش من العدم. الموضوع جِه على 3 مراحل:
- الدراما: طول عمرنا بنحب البطل اللي بيكسر القانون ويحقق “الغاية النبيلة” (روبن هود، علي الزيبق).
- الواقع: تسريبات “ويكيليكس” وغيرها من اختراقات إجرائية؛ أغلبنا صقفلها وتضامن مع الإنسان اللي تجاوز القواعد طالما شايفين إن نيته حلوة.
- السوشيال ميديا: كمِلِت شروط الكارثة؛ المنصات إدت الجمهور مايك الإعلام وسلطة القضاء.
المواطن الصالح ع الفيسبوك أو تويتر/إكس مابقاش مُتلقي سلبي.. ده بقى: المُحقق، ووكيل النيابة اللي بيوجه التهمة، والقاضي اللي بيصدر الحكم، وحتى الجلاد اللي بينفذ الحكم؛ واللي بقى دايًما حكم بالإعدام المعنوي. والمشهد وأبعاده وحتى مكوناته تقريبًا مابيتغيروش:
ساحة محكمة افتراضية، خوارزمياتها مبرمجة على مكافأة الانفعال والغضب، الجمهور قليل من مستهدفي الـ”ريتش” أو أي مصالح تانية + أطنان من حسن النية المتلحوس انحيازات مسبقة. وتعيش المحاكمة العبثية دورة حياتها الترندية المعتادة؛ قبل ما الأجواء تهدا في انتظار محاكمة ترندية جديدة؛ غالبًا هتنتهي هي كمان بسحل سمعة أحدهم.

تريند “أوبر” نموذجًا
هنا محتاجين واقعة نستخدمها كمثال عملي على السؤال اللي بيطرحه المقال: إيه مصير العدالة والمجتمع ككل لما تتحول السوشيال ميديا إلى بديل عن ساحة القضاء ومنهج “العدالة الإجرائية”؟.
وبما إن الواقعة لسه طازة تعالى ناخد واقعة سواق “أوبر” اللي حصلت من كام يوم. موقف متكرر وبيحصل كتير.. وإجراءات المحكمة الرقمية معروفة؛ الهاشتاج بيطلع من هنا، والناس تلبس الروب الأسود من هنا.
طب تعالى نسأل عن إجراءات منظومة العدالة الطبيعية واللي مولد سيدي التريند بيطنشها:
- فين التحقيق المحايد؟ (مافيش، الميمز والبوستات هي التحقيق).
- فين سماع الطرفين؟ (مافيش، اللي صرخ الأول هو اللي صح).
- فين حق الدفاع؟ (مافيش، اللي هيفتح بؤه يبقى متواطئ وبجح).
- فين عبء الإثبات؟ (مافيش، ع المتهم إثبات براءته من غير ما يتكلم ولا حد يدافع عنه).
- فين افتراض البراءة؟ (مافيش، إحنا عندنا وضع الإدانة أو وضع التبرير)
ولو كانت الإجابة أن السوشيال ميديا مش محكمة، فهي دي بالظبط المشكلة: لما هي مش محكمة ماينفعش تصدر أحكام القضاء نفسه مش مسموح له يصدرها إلا عبر الإجراءات دي؟
لإن إفرض الشاب ماكنش سجل الفيديو.. كان إزي الحال؟، مين كان هيسمعه؟ كام حد كان هيسيب لنفسه فرصة يسمع أهل الشاب وأصحابه والناس اللي عندها خبرة حياتية معاه؟ مين كان هيعتبر كلام الطرفين متساوي وينتظر الإجراءات الحاكمة لمنظومة العدالة؟؛ كم من الافتراضات مقال تاني لوحدها.

العدالة الإجرائية للجميع
التحرش جريمة بشعة ومنتشرة في مجتمعنا، للآسف، فمحتاجين نواجهها ثقافيًا وإعلاميًا وتعليميًا، وقبل كل ده محتاجين مواجهة قانونية جادة. عشان كده حماية “العدالة الإجرائية” مش ترف.. ده ضمان على حفظ منظومة العدالة بعيدة عن فوضى المحكمة الترندية، اللي ماحدش يضمن ممكن تقف مع مين ضد مين؟ أو تدعم أفكار شكلها إيه؟
من حق أي شخص أنه يبلغ عن جريمة، ومن حق المجتمع ياخذ البلاغ بجدية. بس فيه فرق بين أخد البلاغ بجدية، وتحويل الاتهام إلى حكم نهائي وبات بالإدانة.

وده فرق جوهري بين منظومة العدالة الإجرائية وبين المحكمة الترندية. المحاكمة العادلة مش معناها التساهل مع الجريمة أو التشكيك في المُبلِغة أو حتى منع الجمهور إنه يسمعها ويدعمها، المحاكمة العادلة معناها إن “المتهم بريء حتى تثبت إدانته”، إن له صوت ومن حقه يرد ويدافع عن نفسه، إن المُبلغ عليه “إثبات اتهامه” مش مجرد إطلاقه؛ الإجراءات المعقدة دي بتحمي الجميع بما فيهم ضحايا التحرش الحقيقيات.

أنهي طريق مشينا فيه؟
في 1800 جيش احتلال غاشم أصر ينصب المحكمة ويمشي بخطوات إجرائية لواحد قتل القائد بتاعه.
وفي 2026 معانا موبايلات حديثة، أحيانًا بندمر بيها حياة إنسان في ساعة زمن؛ عشان “سكرين شوت” ممكن تكون متفبركة ولا منتزعة من سياقها أو مسقطة جوه سياق مختلف.. إلخ.
الحضارة ماخترعتش الإجراءات رخامة ولا إرضاء لحِس بيروقراطي مريض، اخترعتها بعد كوارث كتير، بغرض تحقيق العدالة وكمان تصحيح مفهومها في دماغ الجماهير، فالعدالة مش بس إننا نوصل للحق، العدالة هي “الطريقة” اللي بنمشي بيها عشان نوصل للحق ده من غير ما ناكل بعض في السكة.
عشان كده قبل ما تدوس “شيير” ع الترند الجاي، سيبك من سؤال: “هل الشخص ده شكله محترم ولا مجرم؟”.. لإن ده سؤال سطحي وشديد السذاجة.
السؤال الصح: “هل إحنا مشينا في الطريق اللي يحمي الحقيقة ولا مشينا ورا الهيصة والغضب؟”.
Author
ما هو انطباعك؟









