6 مشاهدة
رحيل هاني شاكر .. الأمير الذي رفض أن يكون ملكًا

-
محمد عطية
ناقد موسيقي مختص بالموسيقي الشرقية. كتب في العديد من المواقع مثل كسرة والمولد والمنصة وإضاءات
كاتب فضي له اكثر من 250+ مقال
يصعب التعامل مع رحيل المطرب هاني شاكر بصفته مجرد صوت عذب مر في تاريخ الأغنية العربية، أو كونه أحد من تم وصمهم بوراثة عرش العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، هاني شاكر كان حالة فنية معقدة تشبه البحر الذي يبدو هادئًا من الخارج لكنه يحمل في أعماقه تيارات متلاطمة من الحزن، الانكسار، والبحث الدائم عن هوية لا تذوب في ظل الأخرين.
منذ لحظة ظهوره الأولى حمل على عاتقه إرثًا فنيًا ثقيلًا ليس فقط إرث عبد الحليم حافظ بل إرث جيل كامل وجد نفسه فجأة أمام واقع جديد للأغنية يبحث فيه عن دور للفن يتجاوز مجرد التسلية،محاولة فهم وتفكيك مسيرة هاني شاكر لا بد أن تبدأ من تلك المرحلة الإنتقالية التي شهدت رحيل العمالقة وبروز جيل حاول أن يجد مكانه في المشهد الموسيقي المصري والعربي والذي كان هاني أبرز فرسانه وأكثرهم إثارة للجدل.
في جلباب العندليب رحلة الهروب من الظل
عندما ظهر هاني شاكر لم يكن الجمهور يرى فيه مجرد مطرب جديد يحمل سمات المطرب الكلاسيكي في الأداء وجودة الصوت بل وجد فيه المخلص الذي سوف يبعث روح عبد الحليم من جديد نفس نبرة الشجن المحببة والأداء الرومانسي التعبيري وملامح الوجه التي تحمل براءة قلقة، كلها أمور كانت تشير إلى أننا أمام الخليفة الأهم لعبد الحليم حافظ ورغم وجود منافسة شديدة لوراثة عرش العندليب سواء بانتحال اسمه أو محاكاة طريقة الأداء لكن ظلت العيون مسلطة على هاني شاكر تحديدًا وكانت بمثابة قيد ذهبي التف حول عنقه في وقت كان الجمهور في حالة من الحداد الجماعي على رحيل عبد الحليم ويبحث عن أي خيط يربطه بذلك الزمن الذي اعتبره زمن الفن الجميل ووجد ضالته في صوت هاني شاكر.

أما شاكر نفسه فأدرك بوعيه الأكاديمي أن المحاكاة هي أقصر طريق للنسيان لذا لم يكتف بأن يكون صدى لصوت عبد الحليم بل حاول أن يكون امتدادًا مشروعًا له مع لمحات تطوير وتجديد تلائم الذائقة الجديدة، فبينما كان عبد الحليم يمثل صوت الدولة ومشاريعها القومية جاء هاني كي يمثل صوت الفرد في لحظات انكساره الخاصة، أخذ من مدرسة عبد الحليم تقديس لمعنى الكلمة واللحن لكنه صبها في قوالب جديدة تتناسب مع جيل ما بعد النكسة وحرب أكتوبر، جيل لم يعد يملك رفاهية الأمل بل أصبح الحزن هو خبزه اليومي يتماشى مع واقعه المرير وكان صوت شاكر تعبيرًا صادقًا عن حالة التيه والضياع التي عاشها.

محاولات هاني في الهروب من ظل عبد الحليم لم تكن سهلة على الإطلاق تطلبت شجاعة فنية لتقديم ألوان غنائية تبتعد قليلًا عن الأغنية الحليمية خصوصًا في فترة الثمانينات والتسعينات حيث تعاون مع شعراء وملحنين وموزعين يحملون رؤى حداثية ومع ذلك ظل جلباب العندليب يطارده ليس اتهام بل قدر فني لم يستطع أو لنقل لم يشأ أن يتخلص منه تمامًا، مثلت المقارنات ضعوطًا هائلة وكأنه أي نجاح له لا بد أن ينسب إلى أنه امتداد للأغنية الكلاسيكية الرصينة في ظل ظهور تيارات موسيقية انسلخت عن مفهوم الطرب الأصيل لكن بمرور الوقت استطاع أن يفلت من تلك المقارنات وأن يمتلك مشروعه الخاص بطاقة تعبيرية خاصة قادرة على دغدغة مشاعر الجمهور.
مطرب اللحظات الصعبة
من يعرف مسيرة هاني شاكر الغنائية جيدًا يلاحظ بوضوح ميله الدائم لتجسيد دور المهزوم في الحب الغريب في الوطن والمنكسر أمام تقلبات الزمن، هذا الميل لم يكن مجرد تيمة تجارية ناجحة بل انعكاسًا للمشروع الذي ارتضاه لنفسه، هاني شاكر هو مطرب اللحظات الصعبة التي يجد فيها نفسه وحيدًا أمام خيباته لذا اختار أن يعبر عنها ويكون صوت من لا يملك القدرة على الصراخ والتعبير عن وجعه بنبرة هادئة ورصينة.

لقد ارتضى شاكر لنفسه أن يكون معالجًا نفسيًا لجمهور عبر الغناء لن تجده بطلًا منتصرًا يحقق مراده بل شخص يشكو ويتألم ويحزن يستسلم للهزيمة هذا الاستسلام كان نوعًا من المحاكاة الواعية لرحلة عبد الحليم حافظ مع فروق جوهرية؛ حيث كان حزن عبد الحليم قدريًا مرتبطًا باليتم والمرض والموت لكن حزن هاني شاكر ارتبط بالواقع الذي يموت فيه الحب مهزومًا أو يضيع في زحام الحياة.
حول هاني شاكر هذا الحزن إلى ماركة مسجلة باسمه نبرة صوت تحمل شجنًا وقدرة على التطريب جعلت منه صوتًا يصلح فضفضة عاطفيه لا يغني لفئة الجمهور المهزوم بل يغني بدلًا منهم تلك الكلمات التي يخجل من قولها في لحظات ضعفه ويمكن اعتبار ذلك السر الحقيقي وراء استمراريته فهو لم يراهن على المشهد الرسمي الموسيقي في أغلب مسيرته الفنية سواء مع ظهور تيار الأغنية الإيقاعية التي وصفت بأنها شبابية بل راهن على الوجع الباقي الذي لا يشيخ ولا يموت بل يتجدد مع كل جيل.
نقيب الموسيقيين والفن أهم من المناصب
لعل المنعطف الأبرز والأكثر جدلًا في مسيرة هاني شاكر هو دخوله معترك العمل الإداري كنقيب للموسيقيين، حيث لم يعد المطرب الحزين الذي يواسي الجمهور بل أصبح الرقيب الذي يحاول ضبط إيقاع المشهد الموسيقي، هذا التحول لم يكن تغييرًا في دور هاني شاكر كمطرب بل تغيير في الهوية الفنية نفسها حيث انتقل من خانة المبدع الذي يثير العواطف إلى خانة المسئول الذي يطبق القوانين ويحمي القيم من موجات المهرجانات والزحف العشوائي للأصوات غير المدربة أو حتى الخروج عن النص في تصريحات أو ماشابه، لكن وجد نفسه في مواجهة بحر هائج من التحولات الإجتماعية والتقنية التي لا تعترف بالحدود أو الرقابة وتحول من أمير الغناء إلى محارب في معركة خاسرة سلفًا مع التطور الطبيعي للاذواق ومع رغبة جيل جديد في التعبير عن نفسه بلغة موسيقية مختلفة حتى وأن بدت صاخبة أو عشوائية من وجهة نظره.
هذا الدور الإداري بشهادة هاني شاكر نفسه، عطل مسيرته الفنية كثيرًا واستنزف طاقته الإبداعية في صراعات قانونية وتراشق إعلامي لا ينتهي وجعله يبدو في نظر مهاجميه شخصية تصادمية تجاوزها الزمن و تصريحه الشهير بخصوص رئاسة النقابة “غلطة وندمان عليها” كان اعترافًا أن المبدع لا يمكن أن يعيش بسلام في ظل منصب إداري يكبله حيث خسر هدوءه الفني مقابل ضجيج النقابة وهو ثمن باهظ دفعه من رصيد محبته لدى قطاع من الشباب الذي وجدوا فيه رمزًا للسلطة الفنية التي تحاول قمع الإبداع لكن في النهاية اثبتت نظرية أن الفن هو الذي يبقى وأن المنصب زائل لا محالة.
الأمير الذي رفض أن يكون ملكًا
لم تكن مسيرة هاني شاكر مجرد أغنيات ناجحة بل كانت جسرًا عبرت فوقه الأغنية العربية من زمن العمالقة إلى زمن الحداثة ، في وقت كان فيه المشهد الموسيقي ينجرف نحو الخفة والابتذال اختار هاني شاكر أن يحافظ على الصورة الذهنية لدى المستمع بأنه مطرب ينتمي إلى جيل زمن الفن الجميل وحتى حين اضطر تحت وطأة التغيير المتسارع مطلع الألفية أن يلامس الموجات الغنائية الجديدة فعل ذلك مدركًا أن التغيير ضرورة للاستمرار داخل المشهد الموسيقي حيث لم يغرق في بحر النسيان الذي ابتلع الكثير من مواهب جيله او فقد هويته الفنية بل ظل طافيًا على السطح يحمل سمات تجربة خاصة أعلن فيها تحرره من ظل عبد الحليم حافظ وأن ما قدمه بصمة لا يمكن محوها وان دور الأمير أحيانًا قد يكون كافي كي تبقى في ذاكرة الجمهور حتى بعد الرحيل.

الكاتب
-
محمد عطية
ناقد موسيقي مختص بالموسيقي الشرقية. كتب في العديد من المواقع مثل كسرة والمولد والمنصة وإضاءات
كاتب فضي له اكثر من 250+ مقال
ما هو انطباعك؟








