3 مشاهدة
الاعتداء على الحيوانات بين القوانين والديانات.. وأخلاق القرية

-
رامي يحيى
شاعر عامية وقاص مصري مهتم بالشأن النوبي ونقد الخطاب الديني
كاتب فضي له اكثر من 250+ مقال
خلال الأيام اللي فاتت انتشر ع السوشيال ميديا فيديو صادم من السويس، يقال إنه بيوثّق اعتداء مجموعة شباب على كلب. الخبر أثار موجة غضب واشمئزاز واسعة ومعها سؤال قديم بيظهر كل شوية: هو إحنا في نهاية الزمان؟ ولا الجرايم دي مش جديدة وإحنا بس اللي كل مرة بنتفاجئ؟
معاشرة الحيوانات بين الدين والجنايات
المسألة دي – رغم غرابتها – مش جديدة؛ من حوالي عشر سنين حصلت حادثة اغتصاب لكلبة اسمها أنستازيا والمعتدين اتحاكموا وخدوا أحكام.
وقتها برضه الناس اتخضت واتعاملت مع الواقعة بوصفها الأولى من نوعها ودليل على نهاية الزمان، بس الإعلام لما خد رأي رجال دين كلامهم ظهر منه إن الموضوع له جذور تاريخية. فلو الناس مصدومة دلوقتي من حادثة السويس، الواقع بيقول إن المجتمع اتعامل مع حالات مشابهة قبل كده بشكل واضح، إن كان في عصرنا الحالي.. والقانون وجد لها تكييف قانوني، أو في الأزمان الغابرة.. والأديان حرمتها.

الاعتداء على الحيوان في القانون
المواد (354، 355، 356) من قانون العقوبات المصري بتجرم أذية الحيوانات المستأنسة وعقوبته بتوصل للسجن من 3 إلى 7 سنين ده غير الغرامة، كمان ممكن المجرم يتحط تحت ملاحظة الشرطة لمدة سنة أو بالكتير سنتين. بس لو قرينا نص المواد هنلاقي إن المُشرِع ركز على مواجهة الجرايم ماركة “خُط الصعيد” أو “عتريس” بتاع “شيء من الخوف”؛ سرقة بهايم أو تسميمها زي ما بيحصل في الأرياف من باب الانتقام أو البلطجة.
فالقانون أه فيه تشريعات لحماية الحيوانات من الاعتداء والإذاء البدني، بس في نفس الوقت ماكنش دقيق في التعامل مع الاعتداء الجنسي، وشطارة المحامي أو النيابة في قضية “أنستازيا” هو اللي أوجد تكييف للواقعة إنها شكل من أشكال الاعتداء الجسدي. فإذا كان ده الوضع القانوني طب الأديان موقفها إيه من الجريمة دي؟
رأي الدين في الاعتداء على الحيوان
تقريبا الأديان الإبراهيمية كلها عندها موقف شرعي من الاتصال الجنسي بين المؤمنين والحيوانات. الشريعة اليهودية، موقفها شبه موقف القانون المصري؛ فيها قاعدة اسمها Tza’ar ba’alei Chayim يعني “لا تسبب ألمًا للحيوانات بلا سبب”، ودي قاعدة أخلاقية بتمنع أذى الحيوانات أو معاملتهم بشكل وحشي.
كمان في المسيحية، ورغم إن مافيش فيها “شريعة” مستقلة بالمفهوم الكلاسيكي، لكن حسب كلام القمص عبد المسيح بسيط، مُدرس اللاهوت الدفاعى بالكنيسة سنة 2016؛ فالديانة المسيحية بتحرم أى علاقات جنسية بره إطار الجواز، أما علاقة الإنسان بالحيوانات فمحرمة بشدة.. لأنها حسب الكتاب المقدس علاقة مخالفة للطبيعة.
ميزة كلام القمص عبد المسيح لليوم السابع إنه وصللنا عملية زنق الحيوانات في الخباثة أمر معروف شعبيا خصوصًا في الأرياف.. حيث هيمنة أخلاق القرية على أعضاء سكانها؛ تحديدا لما قال: “أن هذا الشكل من العلاقات منتشر فى القرى والأرياف؛ لذلك فإن آباء الكنيسة والكهنة يعطون توجيهات بالتوقف عن ممارسة هذا الخطأ والتوبة عنه، مع بعض التدريبات الروحية للامتناع عن هذا الفعل المشين“.
وفي التقرير نفسه أتكلم الشيخ أحمد خليل، من علماء وزارة الأوقاف، ووضح إن الفعل ده محرم شرعًا.. وذكر إن فيه نصوص شرعية لكن ما قالهاش بالظبط. فقررت أبحث أنا وأشوف النصوص اللي فضيلته أتكلم عنها بتقول إيه بالظبط؟

خلاف المحدثين
الفقه الإسلامي ماسابش المسألة عامة وأتكلم عن أذية الحيوانات وخلاص، الفقهاء ناقشوها بشكل صريح وبدرجة من الدقة تفاجئ اللي مافتحوش كتب الفقه قبل كده. رغم إن المسألة نفسها مش مذكورة نصًا في القرآن، بس الفُقها استدلوا بآيات بتتكلم عن مخالفة الفطرة، خصوصًا في سياق قصة قوم لوط.
كمان فيه حديث منسوب للنبي بيقول: «من وجدتُموه وقع على بهيمةٍ، فاقتُلوه، واقتُلوا البهيمةَ». بس الحديث ده تحديدًا عليه خلاف بين المُحدثين، بعضهم قبله وبعضهم ضعّفه، وده سبب رئيسي في اختلاف الفقهاء حوالين الحكم الشرعي للفعل ده، واللي عايز يقرا باستفاضة في النقطة دي يبحث بعنوان الترهيب من إتيان البهائم.

هل الجنس مع البهايم زنا؟
أول سؤال ناقشه الفقهاء كان سؤال منطقي جدًا: هل اللي حصل ده يُعتبر زنا؟
والإجابة عند كتير من الفقهاء كانت: لأ.
لأن تعريف الزنا في الفقه هو علاقة جنسية بين بشر، بالتالي العلاقة مع الحيوان لا تدخل في نفس الباب الفقهي.
الإمام أبو حنيفة النعمان اعتبر أن الفعل معصية كبيرة، بس مش “زنا” بمعنى الفقهي الدقيق. بالتالي فالعقوبة في الحالة دي مش حد شرعي زي حد الزنا، وإنما عقوبتها “تعزير”. والتعزير ببساطة هو عقوبة يحددها القاضي حسب خطورة الفعل وظروفه.
العقوبة الشرعية
بعض الفقها أخدوا الحديث السابق بحرفيته، وقالوا إن الفاعل يُقتل، بس الرأي ده مش هو الأكتر انتشارًا في المذاهب الفقهية. كتير من الفقها وبسبب الخلاف على صحة الحديث شافوا إن لا يمكن بناء حد شرعي عليه؛ عشان كده رجحوا أن العقوبة تكون تعزير يقدره القاضي.
يعني القاضي هو الذي يقرر العقوبة المناسبة، تكون حبس أو جلد أو أي عقوبة يشوف إنها رادعة له ولغيره، وده الاتجاه السايد في كتب فقهية كتيرة زي “بدائع الصنائع” للفقيه علاء الدين الكاساني

.مصير الحيوان “المحني عليه”
هنا تبدأ واحدة من أغرب النقاشات الفقهية في الموضوع، الحديث السابق نص على قتل الحيوان، لكن الفقها ماتفقوش على كده. بعضهم قال إن الحيوان يُقتل فعلًا، مش لأنه مُذنب.. إنما عشان ماحدش تاني يعمل فيه نفس العَمْلَة. بس فريق تاني من الفقها اعترض على المنطق ده، وقال إن الحيوان مالهوش ذنب بالتالي ماينفعش يتعاقب.
السجال الفقهي ده ورد بتفصيل في كُتب زي “المُغني” و”شرح المهذب”.
تدقيق الفقهاء
الفقها ماوقفوش بس عند العقوبة، إنما تساءلوا عن مصير الحيوان بعد الواقعة؛ هل يجوز ذبحه وأكل لحمه؟
البعض شافوا إن أكله مكروه أو حرام؛ مش لأن الحيوان حاله أتغير.. إنما لإشمئزاز المجتمع من الحدث. والبعض التاني شافوا إن لحم الحيوان مالهوش علاقة بفعل الإنسان؛ بالتالي مافيش سبب شرعي لتحريم أكله.
ماذا لو كانت البهيمة ملكًا لشخص آخر؟
الفقه الإسلامي تعرض كمان لمسألة الملكية؛ وطرح الفقها سؤال: ماذا لو كانت البهيمة مملوكة لشخص آخر؟ هل الفاعل كده يبقى مسؤول عن “إتلاف مال الغير”؟
البعض حكموا إن الفاعل ملزم بقيمة الحيوان إذا الفعل تسبب أو أدى إلى قتله أو إتلافه؛ إذا كان فرخة مثلا، بمعنى أن القضية ممكن يدخل فيها جانب مادي تعويضي. وده يوضح إن الفقه الإسلامي ماتعاملش مع القضية مع باب إنها معصية وخلاص، إنما كواقعة ليها آثارها على الناس اللي حواليها.
في النهاية
سواء في القانون أو في الفقه أو في التعاليم الدينية، الفكرة الأساسية تبدو متقاربة، التعامل مع الحيوان في حالة زي دي مابيتمش التعامل معاه بوصفه تصرف غريب وخلاص، إنما باعتباره جريمة بتتجاوز الحدود اللي تصالح عليها المجتمع لتحديد العلاقة بين الإنسان والحيوان.
وردود الأفعال حاليًا، رغم وضوح عدم إلمام غالبية الناس بالنوع ده من الأفعال أظهرت إن مهما اختلفت القوانين والديانات، ومهما اختلفت علاقة الإنسان بالحيوان وتنوعت بتفضل المجتمعات موافقة على تشغيل الحيوانات.. تربيتها.. دبحها.. حشيها.. أكلها.. إلخ، إنما معاشرتها جنسيا فمستنكرة عند الغالبية الكاسحة من البشر؛ خصوصًا في المدن على عكس الريف.. اللي بيشهد تواجد ظاهر للنوع ده من الجرايم زي ما قال أبونا عبد المسيح سنة 2016.
الكاتب
-
رامي يحيى
شاعر عامية وقاص مصري مهتم بالشأن النوبي ونقد الخطاب الديني
كاتب فضي له اكثر من 250+ مقال
ما هو انطباعك؟








